نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
كرسي الأسنان.. الألم قبل العلاج, اليوم الثلاثاء 7 يوليو 2026 12:45 صباحاً
ومنذ سنوات وأنا أراقب هذا المشهد مرة بصفتي صحفيا، ومرة بصفتي مريضا، ومرة بعد أخرى أخرج بالسؤال ذاته: هل علاج الأسنان يخضع فعلا لمعايير واضحة يفهمها الناس! أم أن لكل عيادة عالمها الخاص وأسعارها الخاصة وخطتها الخاصة؟
ولا أحد ينكر ما تبذله وزارة الصحة من جهود كبيرة في تطوير الخدمات الصحية، ولا التحسن الذي يشهده القطاع عاما بعد عام، فهذا واقع يراه الجميع، غير أن ملف الأسنان بقي يحمل كثيرا من علامات الاستفهام، لأن المريض لا يستطيع غالبا أن يعرف إن كان ما يدفعه هو السعر الطبيعي، أم أنه دخل في رحلة لا نهاية لها من الإجراءات التي قد تكون ضرورية، وقد لا تكون كذلك.
وأعترف أنني لا أكتب هذه الكلمات من فراغ فقد مررت شخصيا بتجربة أخطاء طبية في علاج الأسنان، وكانت كلفة إصلاحها أكبر من كلفة العلاج الأول! ثم وجدت نفسي أدور بين المراجعات والتقارير والانتظار، حتى انتهت الحكاية كما بدأت؛ وقت ضائع وألم مستمر، وخسائر لا يعوضها أحد.
ثم تأتي الإعلانات في الأشهر الأخيرة، أصبح من الصعب أن تفتح هاتفك دون أن تجد إعلانا عن مركز أسنان، أو عرضا لا يصدق، أو خصومات تمتد طوال العام، أو وعودا بابتسامة مثالية خلال أيام. هذا السيل المتدفق لا يترك للمريض فرصة ليفكر، لأنه يخاطب حاجته قبل أن يخاطب عقله.
وأظل أتساءل: كيف يختار الإنسان بين هذا العدد الهائل من العيادات؟ وعلى أي أساس يبني قراره؟ هل يعتمد على إعلان ممول؟ أم على مقطع قصير في وسائل التواصل؟ أم على تجربة شخص قد تختلف حالته عن حالته تماما؟
ولا أظن أن المشكلة في كثرة العيادات، فالمنافسة الصحية مطلوبة، واتساع الخيارات أمر إيجابي، إنما السؤال الذي يفرض نفسه: هل توجد أدوات واضحة تساعد المريض على التمييز بين الخبرة الحقيقية والدعاية الجيدة؟ وهل هناك مؤشرات معلنة يستطيع من خلالها أن يعرف مستوى العيادة وسجلها، وتجاربها، بعيدا عن لغة الإعلانات التي لا تعرف سوى الكلمات الجميلة؟
فالمريض يدخل عيادة الأسنان لا يشتري جهازا يمكنه استبداله إذا لم يعجبه، ولا قطعة أثاث يستطيع إعادتها، وإنما يسلم صحته وأسنانه وربما سنوات من عمره لقرار طبي واحد، وإذا كان القرار غير موفق فقد يدفع ثمنه سنوات طويلة.
ولذلك يبقى هذا الملف أكبر من قصة مراجع، أو تجربة فرد، أو فاتورة مرتفعة. إنه سؤال عن الشفافية، وعن حق الإنسان في أن يعرف قبل أن يقرر، وأن يطمئن قبل أن يبدأ العلاج، وأن يجد طريقا واضحا إذا أخطأ أحد في حقه.
وربما لهذا السبب لا تزال كراسي الأسنان، عند كثير من الناس، مكانا يبدأ فيه الألم قبل العلاج.

















0 تعليق