نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
صحابة منسيون، الأسود بن سريع التميمي السعدي "حمّاد ربه", اليوم السبت 27 يونيو 2026 04:06 مساءً
"الصحابة المنسيون" هم كوكبة من جيل التابعين للنبي صلى الله عليه وسلم الذين ساهموا في بناء الدولة الإسلامية ونشر الدعوة، لكنهم لم ينالوا الشهرة الواسعة في كتب التاريخ ومن بين هؤلاء الصحابة الصحابي الجليل الأسود بن سريع التميمي السعدي وفي هذه السطور سنتعرف على هذا الصحابي وعلى أبرز أعماله.
اسمه ونسبه
هو الأسود بن سريع بن حمير بن عبادة بن النزال بن مرة بن عبيد بن مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم التميمي السعدي، يُكنى أبا عبدالله.
يجتمع نسبه مع التابعي المعروف الأحنف بن قيس في عبادةَ والد جده.
إسلامه وحياته
لم تسعفنا المصادر التي ترجمت له بشيء عن حياته قبل إسلامه، كما لم تسعفنا تلك المصادر بشيء عن إسلامه: متى أسلم، وكيف أسلم؟ كل ما نعرفه ما حكاه هو عن نفسه، يقول: ((أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إني قد حمدت ربي تبارك وتعالى بمحامد ومدح، وإياك، قال: هات ما حمدت به ربك عز وجل قال: فجعلت أنشده، فجاء رجل أدلم فاستأذن، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بين بين، قال: فتكلم ساعة، ثم خرج، قال: فجعلت أنشده، قال: ثم جاء فاستأذن قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بين بين، ففعل ذاك مرتين أو ثلاثًا، قال: قلت: يا رسول الله، من هذا الذي استنصتني له؟ قال: هذا عمر بن الخطاب، هذا رجل لا يحب الباطل)).
ونفهم من ذلك:
• أن الأسود رضي الله عنه أسلم قبل لقائه بالنبي صلى الله عليه وسلم.
• أن أكثر شعره في تمجيد الذات العلية، وفي مدح رسولنا عليه الصلاة والسلام.
• أن النبي صلى الله عليه وسلم، أعجب بشعره، واستمع إليه طويلًا.
• أن الاستماع من النبي صلوات الله وسلامه عليه رخصة وإباحة لاستماع المحامد والمدائح، ما لم تكن نفاقًا، أو حرفة واكتسابًا.
أهم معالم حياته:
1- كان رضي الله عنه محبًّا لله عز وجل، ومحبًّا لرسوله صلى الله عليه وسلم، وقد عبر عن محبته هذه شعرًا بمحامد، ومدائح لله ولرسوله.
2- كان فارسًا شجاعًا، كتب الله له شرف الصحبة، فشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم أربعة مشاهد، كما روى هو بنفسه؛ حيث قال: "غزوت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - أربع غزوات"، كما شارك في الفتوحات الإسلامية، ومنها: فتوح العراق والشام.
3- كان شاعرًا مجيدًا، ويبدو أن أكثر شعره كان في تمجيد الذات العلية؛ حتى سُمي (حماد ربه)، وفي مدح رسولنا صلوات الله وسلامه عليه، وفي وصف المعارك التي شارك فيها.
ولكن للأسف ضاع كل ذلك ضمن ما ضاع من تراثنا، ولم يصلنا منه شيء، وأعتقد أننا لو عثرنا على شعره لحصلنا على ثروة شعرية كبيرة.
وهذه بعض أبيات يصف فيها هروب الهرمزان من معركة الجسر بالقرب من الأهواز، يقول فيها:
لعمرك ما أضاع بنو أبينا
ولكن حافظوا فيمن يطيع
أطاعوا ربهم وعصاه قوم
أضاعوا أمره فيمن يضيع
مجوس لا ينهنهها كتاب
فلاقوا كُبةً فيها قبوع
وولى الهرمزان على جواد
سريع الشد يُثفنه الجميع
وخلى سرة الأهواز كرها
غداة الجسر إذ نجم الربيع
4- أول من قص في مسجد البصرة
وبعد مشاركته في الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل البصرة، واختط بها دارًا قريبة من مسجدها، وكان رضي الله عنه شاعرًا محسنًا، وقاصًّا بليغًا؛ فاتخذ مجلسًا في مؤخرة المسجد يعظ الناس فيه؛ فكان أول من قص في مسجد البصرة، قال الحسن: أول من قص في هذا المسجد: الأسود بن سريع، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى فيما يرى النائم: أنه قيل له: ألا أخبرك بالقائلين عدلًا؟ قال: من هم؟ قيل: أصحاب الأسود.
وقد عرف الأسود ببلاغته وصدق حديثه؛ فكان مجلسه مقصدًا لأهل البصرة، يستمعون فيه إلى مواعظه وأشعاره، التي تمزج بين تمجيد الله عز وجل، ومدح رسوله صلى الله عليه وسلم، والفروسية والحكمة.
وكان لإخلاصه وصدقه، قوي التأثير في الحضور؛ حتى إنهم كانوا يضجون بالبكاء من شدة التأثر؛ فعن عبدالله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنا أبي، حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا إسحاق بن عثمان أبو يعقوب، حدثنا أبو أيوب قال: كان رجل يقص في هذا المسجد، يُقال له: الأسود بن سريع، فسمع أبو موسى أصواتهم، فقام ليأتيهم، فانقطع شسعه، فاسترجع فقال: ما انقطع شسعي إلا بذنب، فأعطاه رجل شسعًا؛ فقال: حملك الله، ووصلك كما حملت أخاك، فأتاهم فقال: ابكوا؛ فإن أهل النار يبكون، ولا يُرحم بكاؤهم، فابكوا اليوم؛ فإن بكاءكم اليوم يُرحم.
5- اعتزاله الفتنة وفراره منها
ومما يُذكر له رضي الله عنه: أنه لما وقعت الفتنة بعد مقتل سيدنا عثمان رضي الله عنه، واشتد الخلاف بين سيدنا علي، وسيدنا معاوية رضي الله عنهما، انقسم الناس بين مؤيد للإمام علي، ومنحاز إلى معاوية.
أما الأسود رضي الله عنه، فاختار طريق الاعتزال تجنبًا للوقوع في الفتنة، حيث رأى أن دماء المسلمين أعظم من أن تُراق في صراع سياسي؛ فقال لأصحابه: "إذا رأيت النكراء فلست لكم بصاحب"، ثم حمل زوجته وأولاده، مبتعدًا عن مواطن الفتنة، فركب سفينة، لا يُدرى أين اتجهت به، ولا يُعرف ما حدث معه بعد.
وهو موقف يعكس عمق إيمانه وحكمته؛ إذ آثر السلامة لدينه على المغامرة في أتون الصراع، فكان مثالًا للزهد في الدنيا، والرغبة فيما عند الله في الآخرة.
وفاته رضي الله عنه
تعددت الروايات حول وفاته، فقيل: قُتل يوم الجمل وقيل: بعده، سنة ست وثلاثين من الهجرة، وقيل: إنه توفي في عهد معاوية، وأن وفاته كانت سنة ثنتين وأربعين.
ومهما اختلفت الآراء في تاريخ وفاته، فإن المؤكد أن الأسود بن سريع رضي الله عنه ترك الدنيا كما عاش فيها: هادئًا، زاهدًا، نقي السريرة، مستريح الضمير.

















0 تعليق