بيع العقارات للأجانب.. هل يحل مشكلات الاقتصاد؟!

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
بيع العقارات للأجانب.. هل يحل مشكلات الاقتصاد؟!, اليوم الأحد 28 يونيو 2026 01:58 مساءً

لا أحد يعارض الاستثمار الأجنبي الذي يقيم مصنعًا، أو يزرع أرضًا، أو ينقل تكنولوجيا، أو يخلق فرص عمل ويزيد الصادرات. فهذا هو الاستثمار الذي بنت به الأمم نهضتها ورسخت به اقتصاداتها. لكن تحويل الأرض والعقار إلى وسيلة سريعة للحصول على الدولار يثير تساؤلات مشروعة حول المسار الاقتصادي الذي نسير فيه.

 

النائب عاطف مغاوري عبّر عن هذا القلق حين رأى أن الأولوية يجب أن تكون لحل أزمة السكن للمصريين، وأن مصر تحتاج إلى مناطق للعمل والصناعة والزراعة أكثر من حاجتها إلى مزيد من المدن الرفاهية المغلقة. وتساءل، بحق، كيف نبحث عن مشترٍ أجنبي لوحدات تفوق أسعارها القدرة الشرائية للمواطن المصري، بينما لا يزال كثير من الشباب يطارد حلم امتلاك مسكن ملائم؟

حين يصبح العقار بديلًا عن الصناعة

ومن زاوية أخرى، فرّق الدكتور رضا عبدالسلام بوضوح بين الاستثمار المنتج الذي يضيف قيمة حقيقية للاقتصاد، وبين شراء العقارات والأراضي الذي قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتضييق الخناق على أصحاب الدخول المحدودة، فضلًا عما يثيره من اعتبارات اجتماعية وأمنية ترتبط بطبيعة الأرض ومكانتها في وجدان الشعوب.


والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: لو لم تتوسع حكومة الدكتور مصطفى مدبولي في الاقتراض الخارجي، ولو لم تنخرط في برامج صندوق النقد وما ترتب عليها من ضغوط مالية متزايدة، هل كانت ستصبح في حاجة إلى بيع الأصول، وإعادة فتح ملفات الدعم، والبحث عن الدولار في سوق العقار؟


لقد أفرزت سنوات الاستدانة واقعًا اقتصاديًا صعبًا؛ فكلما ضاقت الموارد ظهرت حلول سريعة: بيع أصل هنا، وفرض رسوم هناك، والبحث في دفاتر الدعم، ثم التفكير في تصدير العقار. لكنها كلها تظل مسكنات مالية لا تمس جذور الأزمة.


إن الاقتصاد الذي يبيع عقاراته للحصول على العملة الصعبة يشبه أسرة تبيع أثاث منزلها لتغطية نفقاتها اليومية؛ قد تؤجل أزمتها لبعض الوقت، لكنها لا تبني مصدر دخل دائمًا ولا تؤسس لمستقبل أكثر استقرارًا.


والمفارقة أن وزير الصناعة الحالي تحدث أكثر من مرة عن الحاجة إلى تعميق التصنيع المحلي، وزيادة الصادرات، وإزالة العقبات أمام المستثمر الصناعي. وهذا الحديث يعيدنا إلى جوهر المسألة؛ فمشكلة مصر ليست في نقص الأراضي القابلة للبيع، وإنما في نقص الإنتاج القادر على توليد الثروة بصورة مستدامة.


فالدولار الذي يأتي من بيع شقة ينتهي بمجرد إتمام الصفقة، أما الدولار الذي يأتي من مصنع أو مزرعة أو صناعة متقدمة فإنه يتجدد مع كل دورة إنتاج. والدول لا تبني مستقبلها ببيع الأصول، بل ببناء اقتصاد حقيقي ينتج أكثر مما يستهلك ويصدر أكثر مما يستورد.

إن القضية، في حقيقتها، ليست رفضًا للاستثمار الأجنبي، بل دفاع عن ترتيب الأولويات. فالأرض ليست مجرد سلعة في سوق، والوطن ليس مخزنًا للأصول يجري التصرف فيه كلما ضاقت الموارد. 

وما تحتاجه مصر اليوم ليس المزيد من لافتات العقار للبيع، بل المزيد من المصانع والحقول ومراكز التكنولوجيا وفرص العمل؛ لأن الأمم القوية لا تعيش على بيع ما تملك، وإنما على قدرتها الدائمة على الإنتاج وصناعة المستقبل.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق