نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
دجال هذا الزمان!, اليوم الاثنين 20 يوليو 2026 01:56 مساءً
أخطر ما فعلته السوشيال ميديا أنها لم تقتحم البيوت فقط، بل اقتحمت القلوب. فبدلًا من أن تكون نافذة نتواصل من خلالها مع العالم، أصبحت عند كثيرين نافذة ينظرون منها إلى حياتهم بازدراء، لأنهم يقارنونها بصور منتقاة بعناية، لا بالحقيقة كاملة.
لم تعد الأزمة الحقيقية في عصرنا هي انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما في أن هذه الوسائل نجحت -عند كثيرين- في إعادة تشكيل منظومة القيم، حتى أصبح الإنسان يقيس نفسه بما يراه على الشاشة لا بما يملكه من علم أو خلق أو عمل.
لقد تغيرت معايير النجاح، واختلطت الوسائل بالغايات، وتحول طلب الشهرة من نتيجة طبيعية للإنجاز إلى غاية قائمة بذاتها، ولو كان ثمنها سقوط الحياء، أو هدم الخصوصية، أو تزييف الواقع.
ولهذا جاء التحذير القرآني دقيقًا وعميقًا، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: 131]. لم يقل: لا تنظر، وإنما قال: لا تمدن عينيك؛ لأن المشكلة ليست في رؤية النعمة، وإنما في التعلق بها، حتى تتحول إلى حسرة دائمة، وسخط على الواقع، وإنكار لما بين يدي الإنسان من نعم.
ولذلك كان رسول الله ﷺ يضع العلاج في كلمات قليلة عظيمة: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم».
لكن السوشيال ميديا قامت على عكس هذه التربية تمامًا؛ فهي تجعل الإنسان ينظر كل يوم إلى الأغنى، والأجمل، والأشهر، والأكثر رفاهية، والأكثر سفرًا، والأكثر ترفًا، حتى يصبح الرضا استثناءً، ويصبح التذمر هو الأصل.
ومن هنا نشأ ما يمكن أن نسميه اقتصاد المقارنة؛ فكلما شعر الإنسان أن حياته أقل من حياة الآخرين، زاد استهلاكه، وزادت رغبته في الظهور، وزاد تعلقه بالشهرة، لأنه يظن أنها الطريق المختصر إلى السعادة.
ثم جاءت الكارثة الثانية، وهي تحويل الإنسان نفسه إلى سلعة. فلم تعد المنصات تبيع المحتوى فقط، بل تبيع الانتباه. وأصبح كل شيء قابلًا للعرض: تفاصيل البيوت، والخلافات الأسرية، والعلاقات الزوجية، والأطفال، والمرض، بل وحتى لحظات الحزن والموت. وأصبح بعض الناس يعيشون الحياة من أجل تصويرها، لا يعيشونها لذاتها.
ومن المفارقات المؤلمة أن بعض الأزواج يكتبون أرق كلمات الحب أمام ملايين الغرباء، بينما قد يعجز أحدهم عن قول الكلمة نفسها داخل بيته. وبعض الزوجات يكتبن أن أزواجهن "أعظم الرجال"، لا لأنهن أردن إدخال السرور عليهم، وإنما لأن المنشور سيحصد آلاف الإعجابات. وهنا تصبح المشاعر سلعة، ويصبح الجمهور شريكًا في أكثر العلاقات خصوصية.
ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: 32]. فالفضائل لا تحتاج إلى حملة دعائية، والصدق لا يطلب التصفيق.
ثم جاء الوجه الأخطر، وهو أن الشهرة نفسها أصبحت صناعة تدر المال. فأصبحت بعض المنصات تكافئ الأكثر إثارة، لا الأكثر قيمة، والأكثر ضجيجًا، لا الأكثر علمًا. وهنا بدأ ميزان المجتمع يختل؛ إذ صار بعض الشباب يحلم بأن يكون مشهورًا، قبل أن يسأل نفسه: مشهورًا في ماذا؟ ولم يعد السؤال: ماذا أقدم للناس؟ بل: كيف ألفت انتباههم؟
وهذا انقلاب خطير في مفهوم النجاح. فالأمم لا تبنى بالمشاهير وحدهم، وإنما تبنى بالعلماء، والمعلمين، والأطباء، والمهندسين، والمزارعين، والصناع، وكل من يضيف قيمة حقيقية للحياة.
وقد قال النبي ﷺ: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه». فجعل معيار القيمة هو الإتقان، لا عدد المتابعين.
وليس معنى ذلك أن كل صناع المحتوى سواء، فهناك من جعل هذه الوسائل منبرًا للعلم، والدعوة، والتعليم، ونشر الخير، وهم جديرون بكل تقدير. لكن المشكلة أن المحتوى النافع كثيرًا ما ينافس محتوى يعتمد على الإثارة واستفزاز الفضول، لأن اقتصاد المنصات يكافئ ما يجذب الانتباه أطول وقت ممكن، لا ما يرفع مستوى الوعي.
ومن هنا فإن المواجهة لا تكون بكسر الهواتف، ولا بإغلاق الحسابات، وإنما بإعادة بناء الإنسان.
نحتاج إلى أسرة تغرس في أبنائها أن القيمة فيما يقدمه الإنسان، لا فيما يملكه. وإلى مدرسة تعيد الاعتبار للعلم والعمل، لا للشهرة المجردة. وإلى إعلام يقدم نماذج النجاح الحقيقي، بدلًا من تحويل كل صاحب ضجيج إلى نجم.
كما نحتاج إلى تربية إيمانية تعيد للقلب توازنه، حتى لا يصبح أسيرًا لكل صورة يراها. فالقناعة ليست استسلامًا للفقر، وإنما تحرر من عبودية المقارنة. إن أخطر ما تفعله السوشيال ميديا اليوم أنها تجعل الإنسان يطارد حياة غيره، فينسى أن يعيش حياته هو.
ولهذا فإن معركة هذا العصر ليست مع التطبيق، وإنما مع القلب. فإذا امتلأ القلب بالإيمان، عرف أن الرزق مقسوم، وأن الأقدار موزونة، وأن ما عند الله خير وأبقى. وإذا امتلأ بالقناعة، نظر إلى النعمة فشكر، وإلى البلاء فصبر، وإلى الناس بعين الرحمة لا بعين الحسد.
قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]، ولم يقل: أكثركم شهرة، ولا أغناكم، ولا أكثرَكم متابعين.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يؤرق كل واحد منا: إذا انطفأت الشاشات، وسقطت الإعجابات، واختفى المتابعون.. فما الذي يبقى من الإنسان؟ ذلك هو الرصيد الحقيقي، وتلك هي القيمة التي لا يملك أحد أن ينتزعها.

















0 تعليق