نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مصر تستحق La Rentrée أفضل, اليوم الثلاثاء 1 سبتمبر 2026 01:47 مساءً
تعج مصر بنشاط ثقافي رائع في الفترة من سبتمبر حتى الربع الأول من العام المقبل. مهرجانات ومعارض وفعاليات استثنائية ترعاها الدولة والجهات الناشطة بشتى مجالات الثقافة. فورة حقيقية تتصاعد وتيرتها تدريجيًا بعد موسم الصيف وصخب الساحل وخناقاته وحفلاته.
تسترد المحروسة نفسها، وبعضًا من روحها الحقيقية، تعود أكثر اتزانًا ورصانة، ليس فقط بعودة الدراسة.. لكن أيضًا باستئناف الثقافة نفسها مسيرة توهجها. غير أننا نبخس قيمة ما نملك. فلا نعرف كيف نصنع من كل هذا التنوع والتدفق حالة خاصة للإبداع المصري. الفرنسيون لديهم تجربة مثيرة في هذا الشأن قد تساعدنا في استثمار إمكانياتنا بطريقة أفضل، مع انطلاق موسمنا الثقافي.
تشمل البدايات عروضًا لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي واحتفاء بذكرى رحيل نجيب محفوظ ومشروع "المواجهة والتجوال“، وحفلات جديدة لفرق الاوركسترا والباليه والأوبرا. وفي أكتوبر لدينا احتفالات كبرى بذكرى الانتصار ومهرجان الجونة السينمائي..
وفي نوفمبر ينطلق معرض "الأبد هو الآن“ على هضبة الأهرامات، والدورة 47 من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي. وهناك أيضًا معرض القاهرة للكتب الفنية وحفلات موسيقية لفنانين عالميين ومصريين في مختلف المسارح والمراكز الثقافية.
ويبلغ الموسم ذروته في يناير وفبراير مع انطلاق الدورة الـ58 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، ثم مهرجان تعامد الشمس في أبو سمبل في فبراير 2027 بأسوان.
كل هذا رائع ويستحق التقدير، لكن الفعاليات تبدو كجزر منعزلة، دون نسق متكامل يربط بينها ضمن منظومة واحدة برؤية مشتركة، كأن لدينا جواهر ثمينة ستكون أجمل لو انتظمت في قلادة بديعة. هنا يمكن أن نتعلم من تجربة فرنسية لا مثيل لها في العالم.. اسمها La Rentrée أو العودة، حدث ثقافي مميز بطقوسه التي ينتظرها الفرنسيون سنويًا مع استئناف الحياة الثقافية والإعلامية والسياسية نشاطها في سبتمبر.
ومن أهم تجلياته “rentrée littéraire”. وهو موسم الكتب بامتياز. تصدر 461 رواية وكتابًا جديدًا، دفعة واحدة، منها 344 رواية فرنسية، بينها 68 رواية أولى و117 رواية مترجمة.. أي أكثر من 5 روايات كل يوم خلال ”الرونترية“ من أواخر أغسطس إلى أكتوبر. ثم يبدأ الفرز والنقد والتقييم عبر الإعلام. بعدها تتصدر المشهد الجوائز الثقافية الرفيعة مثل غونكور، وميديسيس..
في الوقت نفسه، يدب نشاط عارم بالمسارح والمتاحف والمعارض. موجة كاملة من النشاط يشارك فيها الجميع، تتجاوز الأدب إلى السينما ومراكز الأبحاث والبرامج الحوارية والصحافة التي تفتح الملفات الثقافية وتنشر التحقيقات والحوارات المطولة والتحقيقات الجادة.
بعضًا من هذا يمكنا في مصر أن نقوم به بسهولة لو توفرت الإرادة والإدارة والرؤية، على الرغم من بعض الفوارق بين ما يجري على ضفاف السين والنيل. تستطيع الدولة بإمكانياتها أن تستثمر زخم ما بعد الصيف في صنع حالة متوهجة تستمر طوال أشهر الخريف والشتاء، بالتنسيق بين القائمين على مختلف الفعاليات والمهرجانات والمعارض والمتاحف والجوائز، بمشاركة المبدعين والنقاد والجمهور وصناع الفنون والصحافة والجامعات.
ربما يفيد ذلك في إنقاذ المجتمع والإعلام من الانشغال بسفاسف الأمور والقضايا التافهة والترندات العبثية التي تسلم واحدة الأخرى على مدار العام. لن يبقى الرأي العام سجينًا لسجالات عقيمة تدور حول 4 أو 5 قضايا بعينها، ستصبح هناك قضايا جادة أخرى أكثر أهمية، مطروحة للنقاش العام، في الجامعات والمراكز الثقافية والبحثية والمنصات الإعلامية.
ستفتح الأبواب للمواهب والأفكار الجديدة، وسوف تتشكل تدريجيًا لدى المجتمع عقلية نقدية رصينة، لا تجعله رهينة أو فريسة سهلة لكل ظاهرة عابرة أو عابر سبيل من المشاهير والمهاوويس.
باختصار نريد أن نجمع معارض الكتب والفنون ومهرجانات السينما والمسرح وفعاليات المتاحف في لحظة ثقافية واحدة ممتدة، يغطيها الإعلام باحتراف للإحتفاء بروح مصر المعاصرة وتقديمها في أفضل شكل.
حينئذ سيصبح لدينا موسمًا ثقافيًا ثريًا ينتظره العالم كله عام، بموازاة موسم السياحة التقليدية. سياحة ثقافية حقيقية، تؤكد أن الحضارة المصرية تواصل تدفقها مع مياه النيل بلا انقطاع. هذه هي ثروتنا الحقيقية.. البشر وإبداعهم.
[email protected]


















0 تعليق