هل يمكن للتربة أن تحتفظ بمياه الري لفترة أطول وتمنح النبات ما يحتاجه تدريجيًا بدلًا من فقدها سريعًا؟.. سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يقف خلف واحدة من الأفكار البحثية الشابة التي تحاول التعامل مع أزمة المياه من داخل منطقة الجذور نفسها.
الباحثة أميرة حسن سعد حسن، 25 عامًا، باحثة ماجستير بـ كلية الزراعة جامعة عين شمس، اتجهت إلى تطوير «هيدروجيل طبيعي» يعتمد على إعادة تدوير المخلفات الزراعية، بهدف امتصاص مياه الري والاحتفاظ بها ثم إتاحتها تدريجيًا للنبات، مع إمكانية تطويره مستقبلًا ليحمل كائنات دقيقة نافعة وعناصر غذائية.
الابتكار لم يتوقف عند حدود الفكرة البحثية، إذ جرى إنتاج نموذج أولي واختباره ميدانيًا على نباتات الجرجير، قبل تعريضها لظروف إجهاد جفاف وارتفاع في درجات الحرارة لمدة 12 يومًا دون ري.
وبحسب نتائج التجربة التي قدمتها الباحثة، استمرت النباتات المعاملة بالهيدروجيل في الحياة دون ظهور أعراض الجفاف التي ظهرت على المعاملات الأخرى، والتي تعرضت للجفاف وتدهورت حتى موت النباتات.
النتيجة تفتح بابًا لسؤال أكبر: هل يمكن أن يتحول الهيدروجيل الطبيعي إلى «خزان مياه صغير» داخل التربة، يساعد المحاصيل على مواجهة فترات انقطاع الري، ويزيد من قيمة كل نقطة مياه تصل إلى منطقة الجذور؟
المشكلة تبدأ من المياه التي لا تصل إلى الجذور
لا ترتبط كفاءة الري فقط بكمية المياه التي تصل إلى الأرض، وإنما بقدرة التربة على الاحتفاظ بجزء مناسب منها بالقرب من الجذور.
وتزداد أهمية هذه المشكلة في الأراضي الرملية، التي تتميز بسرعة حركة المياه وانخفاض قدرتها النسبية على الاحتفاظ بها مقارنة بالترب الأثقل، ما قد يؤدي إلى خروج جزء من مياه الري بعيدًا عن منطقة انتشار الجذور قبل استفادة النبات منها.
ومع فقد المياه، يمكن أن تتحرك بعض العناصر الغذائية بعيدًا عن منطقة الجذور أيضًا، بما يؤثر في كفاءة استفادة النبات من الأسمدة.
وهنا تتشكل دائرة من التحديات: فقد سريع للمياه، ثم زيادة الحاجة إلى الري، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وفقد جزء من العناصر الغذائية، وانخفاض كفاءة استخدام المياه والأسمدة.
هيدروجيل داخل التربة.. خزان مياه بجوار النبات
تعتمد فكرة الهيدروجيل على قدرته على امتصاص المياه والاحتفاظ بها، ثم إتاحتها تدريجيًا وفق الظروف المحيطة.
وتقوم الفكرة البحثية على وضع الهيدروجيل بالقرب من منطقة الجذور، بحيث يمتص جزءًا من مياه الري عند وصولها إلى التربة، ثم يتيحها تدريجيًا عندما تبدأ رطوبة التربة في الانخفاض.
وبهذه الطريقة يتحول الهيدروجيل إلى ما يشبه «خزان مياه صغير» داخل منطقة الجذور، لا بهدف الاستغناء عن الري، وإنما لإطالة الفترة التي يستطيع خلالها النبات الاستفادة من المياه الموجودة بالفعل في التربة.
وبالتالي ينتقل التركيز من سؤال: «كمية المياه التي أضيفها؟» إلى سؤال أكثر ارتباطًا بكفاءة الاستخدام: «كمية المياه التي يستفيد منها النبات فعليًا؟».
مخلفات زراعية تتحول إلى مادة لحفظ المياه
الجانب اللافت في الابتكار لا يرتبط بوظيفة الهيدروجيل فقط، وإنما بمصدر المادة المستخدمة في تطويره.
فالباحثة تعمل على تطوير هيدروجيل طبيعي يعتمد على إعادة تدوير المخلفات الزراعية، بما يربط بين مشكلتين: التخلص من المخلفات الزراعية وتقليل فاقد مياه الري.
وبدلًا من التعامل مع المخلفات باعتبارها ناتجًا يحتاج إلى التخلص منه، تصبح جزءًا من خامة تدخل في إنتاج مادة يمكن استخدامها داخل البيئة الزراعية.
وتقوم الفكرة على تحويل المخلف الزراعي إلى خامة طبيعية، ثم إلى هيدروجيل، ثم استخدامه في الاحتفاظ بالمياه وإتاحتها للنبات.
وهذا يمنح المشروع بعدًا مرتبطًا بالاقتصاد الدائري وإعادة استخدام الموارد.
الهيدروجيل لا يستهدف المياه فقط
لا تتوقف الفكرة عند الاحتفاظ بالمياه، إذ تستهدف الباحثة تطوير الهيدروجيل بحيث يمكنه حمل بكتيريا نافعة تساعد في تيسير بعض العناصر الغذائية للنبات.
وبذلك يمكن أن يجمع المنتج بين وظيفتين؛ الأولى الاحتفاظ بالمياه وإتاحتها تدريجيًا، والثانية دعم استفادة النبات من بعض العناصر الغذائية.
وتفتح هذه الفكرة المجال أمام تطوير خصائص الهيدروجيل وفق احتياجات نوع التربة والمحصول ومعدلات الري والظروف المناخية والعناصر الغذائية المطلوبة، بدلًا من الاعتماد على منتج واحد ثابت لجميع الحالات.
12 يومًا تحت الجفاف والحرارة
الانتقال من الفكرة إلى التجربة يمثل إحدى أهم مراحل المشروع.
فقد جرى بالفعل إنتاج نموذج أولي من الهيدروجيل واستخدامه في تجربة حقلية على زراعة الجرجير، ثم تعرضت النباتات لظروف إجهاد جفاف ودرجات حرارة مرتفعة لمدة 12 يومًا دون ري.
وبحسب النتائج التي قدمتها الباحثة، واصلت النباتات المعاملة بالهيدروجيل حياتها دون ظهور أعراض الجفاف التي ظهرت على المعاملات الأخرى.
وفي المقابل، تأثرت النباتات التي تعرضت للجفاف في المعاملات المقارنة بدرجة كبيرة، ووصلت، وفق نتائج التجربة المقدمة، إلى الجفاف والموت الكامل.
وتمنح هذه النتيجة المشروع نقطة انطلاق مهمة لمزيد من الاختبارات، لكنها لا تعني الوصول إلى منتج تجاري نهائي؛ إذ تحتاج الفكرة إلى تجارب أوسع على محاصيل وترب وظروف مختلفة لتحديد مدى كفاءتها بصورة دقيقة.
الجرجير.. اختبار أولي للفكرة
جاء اختيار الجرجير في التجربة باعتباره من المحاصيل سريعة النمو، وهو ما يسمح بدراسة تأثير ظروف نقص المياه والإجهاد على النبات خلال فترة زمنية مناسبة للتجارب الأولية.
لكن الباحثة لا تتوقف عند هذا المحصول، إذ يمكن اختبار الفكرة مستقبلًا على محاصيل أخرى، خاصة المحاصيل التي تزرع في الأراضي الرملية أو المناطق التي تواجه تحديات في توفير المياه.
وتتطلب هذه المرحلة تجارب على محاصيل متعددة، ومعدلات استخدام مختلفة، وظروف ري متباينة، إلى جانب تقييم اقتصادي يحدد مدى جدوى استخدام الهيدروجيل.
الهدف الحقيقي.. رفع إنتاجية وحدة المياه
الابتكار لا يهدف إلى توفير مصدر جديد للمياه، وإنما إلى رفع كفاءة الاستفادة من المياه الموجودة بالفعل.
فإذا أمكن الاحتفاظ بجزء من مياه الري لفترة أطول داخل منطقة الجذور، فقد يصبح النبات أكثر قدرة على الاستفادة منها، وهو ما يمكن أن يقلل الحاجة إلى تعويض الفاقد بكميات إضافية من المياه، إذا أثبتت التجارب الموسعة ذلك.
ومن ثم، فإن الهيدروجيل المقترح يمكن أن يكون أداة ضمن منظومة أوسع لإدارة الري، وليس بديلًا عن عملية الري نفسها.
الأراضي الرملية في مقدمة المستفيدين المحتملين
تعد الأراضي الرملية من البيئات التي يمكن أن تكون مناسبة لدراسة هذا النوع من الحلول، بسبب طبيعتها سريعة الصرف وانخفاض قدرتها النسبية على الاحتفاظ بالمياه والعناصر الغذائية.
وتستهدف الفكرة تحسين البيئة المحيطة بالجذور، من خلال الاحتفاظ بجزء من المياه بالقرب منها وإتاحته بصورة تدريجية.
كما أن الاعتماد على مخلفات زراعية في أصل المنتج يفتح إمكانية دراسة تأثير المادة الناتجة على بعض خصائص التربة، وهو أمر يحتاج إلى قياسات وتجارب متخصصة لتحديده بدقة.
من مشكلة المخلفات إلى فرصة اقتصادية
يمكن أن تمتد قيمة المشروع إلى ما هو أبعد من الاستخدام الزراعي المباشر، إذ يمكن أن تنشأ حوله سلسلة تبدأ من جمع المخلفات الزراعية وتجهيزها، مرورًا بتصنيع المواد الخام وإنتاج الهيدروجيل، وصولًا إلى التعبئة والتسويق والاستخدام في الأراضي الزراعية.
وبذلك يمكن أن يستفيد أكثر من قطاع من المشروع؛ فالمزارع يحصل على مدخل زراعي جديد، وقطاع إدارة المخلفات يجد استخدامًا اقتصاديًا لنواتج زراعية، بينما تحصل الصناعة على فرصة لتطوير منتج جديد، وتستفيد البيئة من إعادة تدوير المخلفات.
أربعة مسارات للقيمة المضافة
إذا أثبتت التجارب الموسعة كفاءة النموذج، فإن القيمة المضافة للمشروع يمكن أن تظهر في أربعة اتجاهات رئيسية:
المياه: رفع كفاءة استخدام مياه الري والحد من الفقد غير الضروري.
الزراعة: تحسين بيئة الجذور ودعم نمو النبات وإنتاجيته.
الاقتصاد: فتح مجال لمنتج محلي جديد قد يسهم في خفض بعض تكاليف المياه والأسمدة.
البيئة: إعادة تدوير المخلفات الزراعية وتقليل الاعتماد على بعض المواد الصناعية.
من النموذج الأولي إلى المنتج التجاري
الانتقال من النموذج البحثي إلى منتج يمكن طرحه في السوق يحتاج إلى مراحل علمية وعملية متتابعة.
وتشمل هذه المراحل إجراء تجارب حقلية موسعة، وتحديد أفضل تركيز وجرعة استخدام، واختبار تأثير الهيدروجيل على محاصيل مختلفة، ودراسة استقراره وتحلله وأمانه البيئي، إلى جانب حساب تكلفة إنتاجه ومقارنته بالبدائل المتاحة.
كما تحتاج المرحلة التالية إلى تحديد طرق التصنيع والتعبئة والتخزين، ووضع معايير واضحة لجودة المنتج وطريقة استخدامه، قبل الانتقال من الإنتاج التجريبي إلى الإنتاج التجاري.
قابلية للتوسع خارج مصر
المشكلة التي يستهدفها الابتكار لا تقتصر على مصر، إذ تواجه المناطق الجافة وشبه الجافة تحديات مرتبطة بمحدودية المياه وارتفاع تكلفة الزراعة، بالتوازي مع مشكلة المخلفات الزراعية.
ومن ثم، فإن نجاح المنتج وإثبات كفاءته وأمانه واقتصاديته يمكن أن يفتح المجال أمام تطويره للاستخدام في مصر، ثم شمال أفريقيا والدول العربية والأسواق الخارجية.
علي عبد العزيز: الابتكار الحقيقي لا يجب أن يبقى داخل الجامعة
ويرى الدكتور علي عبد العزيز، رئيس المبادرة الوطنية «دولة الابتكار الزراعي»، أن مشروع الهيدروجيل الطبيعي يمثل نموذجًا للابتكار الذي يجمع بين أكثر من قضية زراعية وبيئية في حل واحد.
وأوضح أن المشروع لا يعتمد فقط على فكرة الاحتفاظ بالمياه، وإنما يقدم تصورًا لإعادة تدوير المخلفات الزراعية واستخدامها في إنتاج مادة طبيعية تساعد على إدارة المياه داخل منطقة الجذور، مع إمكانية تطويرها لدعم استفادة النبات من العناصر الغذائية.
وأشار إلى أن التجربة الحقلية للنموذج الأولي والنتائج التي قدمها الفريق بشأن استمرار النباتات المعاملة في مواجهة الجفاف وارتفاع الحرارة تمثل نقطة انطلاق مهمة لمزيد من الاختبارات العلمية.
وأكد أن المرحلة المقبلة يجب أن تركز على توسيع التجارب وتحويل النتائج الأولية إلى منتج يمكن تقييمه من الناحية العلمية والاقتصادية والتصنيعية.
دعوة إلى تبني الابتكار الزراعي مؤسسيًا
وشدد علي عبد العزيز على أهمية وجود منظومة مؤسسية تساعد الباحثين الشباب على الانتقال من الفكرة إلى التطبيق، داعيًا مجلس الوزراء والمؤسسات المعنية بالدولة إلى النظر في تبني مبادرة «دولة الابتكار الزراعي» بصورة مؤسسية تضمن استدامتها.
وأوضح أن المسابقات تمثل نقطة مهمة لاكتشاف الأفكار والمبتكرين، لكنها لا ينبغي أن تكون نهاية الطريق، لأن الباحث بعد انتهاء المسابقة يحتاج إلى مسار واضح يشمل التقييم العلمي، وحماية الملكية الفكرية، وتطوير النموذج، والتجارب الميدانية، والتمويل، والاحتضان، والشراكة الصناعية، ثم الإنتاج والوصول إلى السوق.
ويرى أن وجود مظلة مؤسسية يمكن أن يساعد على ربط الجامعات والمراكز البحثية والوزارات والقطاع الخاص والمستثمرين والجهات التمويلية، بما يرفع فرص تحويل الابتكارات الزراعية إلى حلول قابلة للتطبيق.
ماذا بعد المسابقة؟
قصة الهيدروجيل الطبيعي تضع سؤالًا أكبر أمام منظومة الابتكار الزراعي: ماذا يحدث للابتكار بعد انتهاء المسابقة أو التجربة البحثية؟
فالقيمة الحقيقية لا تتوقف عند الحصول على جائزة أو تسجيل فكرة، وإنما تبدأ عندما يجد الابتكار طريقه إلى المزرعة والسوق.
وفي حالة هذا المشروع، تبدأ الرحلة من مخلفات زراعية، ثم تتحول إلى مادة تحتفظ بالمياه، ثم تخضع للتجارب الحقلية، وبعدها يأتي اختبار الكفاءة والتكلفة والأمان وإمكانية التصنيع.
وإذا أثبتت التجارب المقبلة النتائج الأولية، فقد ينتقل الهيدروجيل من نموذج بحثي إلى مدخل زراعي جديد، وربما إلى مشروع ناشئ وصناعة محلية قابلة للتوسع.
من مخلفات زراعية إلى «خزان مياه» داخل التربة
في النهاية، لا تقدم فكرة أميرة حسن حلًا سحريًا لأزمة المياه، ولا يمكن اعتبار تجربة واحدة على محصول واحد كافية لتعميم النتائج، لكنها تقدم اتجاهًا بحثيًا يستحق المتابعة: استخدام المخلفات الزراعية لإنتاج مادة تساعد على الاحتفاظ بالمياه داخل منطقة الجذور.
وتبقى المرحلة الحاسمة هي توسيع التجارب، وقياس كفاءة الاستخدام، وتحديد الجرعات، واختبار المحاصيل والترب المختلفة، ثم تقييم الجدوى الاقتصادية والبيئية.
فالفكرة هنا ليست إنتاج مياه جديدة، وإنما محاولة تقليل هدر المياه الموجودة، وتحويل مخلف زراعي إلى قيمة مضافة، وربط البحث العلمي باحتياجات الأرض والمزارع.
- تفسير حلم السيف في المنام وعلاقته بالمال الكثير والرزق الوفير
- السويد تتعادل مع البوسنة 1-1 وتواصل صدارة المجموعة بدوري الأمم الأوروبية (فيديو)
- السيسي يفتتح اليوم منتدى "العلمين - أفريقيا" للأعمال ويترأس قمة الدول "أودا – نيباد"
- جدية إمام عاشور ومهارة مرموش، 14 صورة ترصد تدريبات منتخب مصر استعدادا لودية جنوب أفريقيا
- ترامب: لن نفرض حظرا على تصدير وقود الديزل ولم نكن نعتزم ذلك من الأساس


















0 تعليق