أشرف سيد يكتب: «المتشردون الجدد».. 10 آلاف طراوي في مهب الريح.. صحي النوم يا محافظة القاهرة: لماذا لا تنفذين توجيهات الرئيس؟

منذ ساعة

هل يصبح الطراوي “من أهل طرة البلد” الذي عاش عمره في بيته عبئا على التطوير وهل تتحول البيوت التي احتضنت أجيالا من أهالى طرة البلد إلى مجرد أرقام في كشوف الحصر بلا حوار أو تفسير أو طمأنة؟

في طرة البلد لم يعد القلق مجرد شعور عابر ولم تعد الأسئلة أحاديث تتردد في الشوارع وعلى أبواب المنازل.

نحن أمام آلاف المواطنين الذين يعيشون حالة من الترقب والخوف على بيوتهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم بينما لا تزال الإجابات التي ينتظرونها غائبة عن المشهد.

نحو 10 آلاف طراوى يجدون أنفسهم أمام مستقبل مجهول بعدما أصبحت أعمال الحصر محور حياتهم اليومية وأصبح السؤال عن مصير البيوت حاضرا في كل بيت وأسرة والصمت لغة رجال الحصر.

أهالى طرة البلد ليسوا أرقاما في سجلات ولا مجرد مبان على خريطة يمكن التعامل معها بمعزل عن أصحابها إنهم أسر لها تاريخ وذكريات وجذور وأطفال يذهبون إلى مدارسهم ومرضى يحتاجون إلى الاستقرار وكبار سن لا يعرفون مكانا آخر غير بيوتهم وأصحاب حرف ومحال لا تنفصل أرزاقهم عن المنطقة التي عاشوا وعملوا فيها سنوات طويلة، فهل يمكن اختزال كل هذه التفاصيل الإنسانية في إجراءات حصر لا يعرف المواطنون حتى الآن صورتها النهائية.

منذ بداية أعمال الحصر يحاول الأهالي فهم ما يجري ومعرفة الهدف من هذه الإجراءات وحدودها وما قد يترتب عليها. لكن المشكلة التي تتجاوز الحصر نفسه هي غياب التواصل المباشر الكافي مع المواطنين وافتقارهم إلى إجابات رسمية واضحة تضع حدا للتكهنات وتمنحهم الحد الأدنى من الطمأنينة.

ولماذا لا يكون الحوار مع الأهالي خطوة أساسية تسبق أي إجراءات قد تمس استقرارهم ولماذا لا تتولى محافظة القاهرة شرح حقيقة الموقف وتوضيح ما تم حسمه وما لا يزال قيد الدراسة وتحديد الجهة المسؤولة عن الإجابة عن استفسارات المواطنين

إن الحصر في حد ذاته لا يعني بالضرورة صدور قرار بإزالة جميع العقارات كما أن وجود لجان في المنطقة لا يكفي وحده للحكم على مصير أي منزل لكن ترك أهالى طرة أمام هذا الغموض يجعلهم أسرى المخاوف والشائعات ويضعف الثقة التي يفترض أن تكون أساس العلاقة بين المواطن والجهاز التنفيذي.

لسنا ضد التطوير ولسنا مع تعطيل مشروعات الدولة ولا نرفض تحسين الخدمات والبنية الأساسية ورفع كفاءة المناطق السكنية على العكس فإن أهالي طرة يستحقون حياة أفضل وبيئة أكثر تنظيما وخدمات تليق بالمواطن المصري لكن السؤال هل يجب أن يدفع المواطن ثمن التطوير من بيته واستقراره ومصدر رزقه أم يمكن أن يكون شريكا فيه ومستفيدا أول من ثماره

إن جوهر التنمية ليس تغيير شكل المكان فقط وإنما تحسين حياة من يعيشون فيه وإذا كان الهدف من الاستثمار هو تقديم خدمات أفضل للمواطن فإن المعيار الحقيقي لنجاح أي مشروع يجب أن يكون أثره على حياة السكان ومدى حفاظه على حقوقهم، وقدرته على تحسين ظروفهم بدلا من مضاعفة أعبائهم

لماذا لا تكون الأولوية لدراسة إمكانات تطوير طرة البلد مع الحفاظ على سكانها في أماكنهم كلما كان ذلك ممكنا من الناحية الفنية والقانونية ولماذا لا يجري بحث حلول تتيح تجديد المرافق وتحسين الشوارع والخدمات مع حماية حق المواطنين في البقاء والاستقرار.. إن التطوير الذي يبدأ من احتياجات الأهالي ويستمع إليهم يمكن أن يحقق أهداف الدولة ويحفظ في الوقت نفسه نسيج المجتمع وروابطه الإنسانية

إن أكثر ما يخشاه الأهالي ليس مجرد الانتقال من عنوان إلى آخر وإنما فقدان الحياة التي بنوها على مدار سنوات فالبيت ليس جدرانا وسقفا فحسب إنه شبكة من العلاقات الاجتماعية ومدارس قريبة وأطباء يعرفهم السكان ومصادر رزق اعتادوا عليها، وذكريات لا يمكن تعويضها بمبلغ مالي وحده

وإذا انتهت الإجراءات إلى نقل بعض الأسر أو إخلاء مساكنها فإن الواجب يقتضي إعلان الأسس القانونية بوضوح وضمان حقوق أصحاب الشأن ودراسة الأوضاع الإنسانية والاجتماعية لكل حالة وتوفير الحلول المقررة قانونًا قبل اتخاذ أي خطوات تمس استقرار الأسر.

فليس من العدل أن يجد المواطن نفسه أمام واقع جديد لا يعرف تفاصيله أو أن يطلب منه التخلي عن بيته قبل أن تتضح له حقوقه والبدائل المتاحة له.

كما أن التعويض المالي إن تقرر استحقاقه لا ينبغي النظر إليه باعتباره نهاية القضية فهناك فروق بين قيمة العقار المادية وبين قيمة الاستقرار الذي يوفره وبين امتلاك مبلغ من المال والقدرة على تأمين مسكن مناسب ومصدر رزق مستقر.

ولذلك فإن أي معالجة لهذا الملف تحتاج إلى رؤية متكاملة لا تقتصر على المباني وحدها وإنما تشمل الإنسان الذي يعيش داخلها.

لقد شدد الرئيس عبد الفتاح السيسي في مناسبات عديدة على ضرورة حسن معاملة المواطنين والاستماع إلى شكاواهم وتحسين الخدمات المقدمة إليهم والعمل على حل المشكلات المزمنة من خلال إجراءات جادة وحاسمة.

وهذه التوجيهات تضع مسؤولية مباشرة على عاتق الأجهزة التنفيذية في التواصل مع المواطنين وشرح القرارات والإجراءات التي تمس حياتهم

ومن هنا، فإن أهالي طرة يتطلعون إلى أن يجدوا صدى لهذه التوجيهات في واقعهم اليومي لا يريدون الدخول في خصومة مع المحافظة ولا التشكيك في أهداف الدولة وإنما يريدون أن يشعروا بأن مخاوفهم مسموعة وأن أسئلتهم تحظى بالاهتمام وأن مستقبل بيوتهم لا يُترك للتخمين.

أما استمرار الصمت فإنه يوسع الفجوة بين المواطن والمسؤول ويزرع الإحباط في نفوس الناس خصوصا لدى الأجيال الجديدة التي ينبغي أن ترى في مؤسسات الدولة بابا للحوار وحماية الحقوق لا جهة بعيدة يصعب الوصول إليها فكيف نطلب من الشباب أن يتمسكوا بالأمل والثقة في المستقبل إذا كانوا يرون أسرهم قلقة على بيوتها ولا يجدون إجابة واضحة عن مصيرها

إن الولاء والانتماء لا يبنيان بالشعارات وحدها وإنما يتعززان عندما يشعر المواطن بأن الدولة تنصفه وتحترم كرامته وتضع مصالحه في صدارة أولوياتها وكلما اقترب المسؤول من الناس واستمع إليهم ازدادت فرص التفاهم والثقة وانحسرت مساحة الشائعات والاحتقان

رسالتنا إلى محافظ القاهرة واضحة.. إن أهالي طرة لا يريدون معركة وإنما يريدون لقاء رسميا يشرح حقيقة أعمال الحصر،ويحدد نطاقها وأهدافها ويوضح الخطوات التالية والجهات المختصة باتخاذ القرارات.

يريدون إجابات عن مصير العقارات ومعايير التعامل معها والضمانات القانونية والإنسانية المقررة للسكان وإمكانات التطوير مع الحفاظ على بقائهم في المنطقة.

ومن حق الأهالي كذلك أن يحصلوا على معلومات واضحة بشأن أي مشروع مقترح وأن يعرفوا ما إذا كانت هناك قرارات نهائية أم أن الأمر لا يزال في مرحلة الدراسة فالمصارحة لا تضعف المسؤول، بل تعزز الثقة فيه والاستماع إلى المواطنين لا يعطل العمل بل يساعد على اكتشاف المشكلات ومعالجتها قبل تفاقمها.

وإذا أظهرت الدراسة أن هناك حلولًا بديلة تحقق أهداف التطوير وتحافظ على السكان فإن مراجعتها واجب تفرضه المصلحة العامة وليس عيبا أن تعيد أي جهة تقييم مسار اتخذته إذا تبين أن هناك طريقا أكثر مراعاة لحقوق المواطنين وأقل كلفة اجتماعية فالعيب الحقيقي أن تتوافر فرصة لتصحيح المسار ثم لا تبحث بجدية.

إن القرار المسؤول ليس بالضرورة القرار الذي لا يتغير، وإنما القرار الذي يحقق المصلحة العامة ويحفظ حقوق الناس ويستجيب لما تكشفه الوقائع من احتياجات ومخاطر

نناشد الرئيس عبد الفتاح السيسي

إننا نناشد الرئيس عبد الفتاح السيسي ومحافظ القاهرة وكل الجهات المعنية النظر إلى طرة البلد باعتبارها مجتمعا حيا له حقوق واحتياجات لا مجرد مساحة عمرانية على خريطة.

نريد تطويرا يحسن حياة المواطنين لا يبدد استقرارهم وحوارا يسبق القرارات وشفافية تنهي المخاوف وحلولا تضع الإنسان في مقدمة الحسابات

فراحة المواطن تبدأ من شعوره بالأمان في بيته واطمئنانه على أسرته وثقته في أن حقوقه لن تضيع وسط الإجراءات.

وإذا كان الهدف هو تخفيف الأعباء عن المواطنين وتقديم أفضل الخدمات لهم وكيف نحقق التطوير مع الحفاظ على الناس لا كيف ننقل الناس ثم نبحث عن حلول لمشكلاتهم

عشرة آلاف طراوي وفق تقديرات الأهالي ليسوا مجرد أعداد قابلة للتغيير في كشوف الحصر إنهم بشر لهم بيوت وأحلام وحقوق ومستقبل

يا محافظة القاهرة طرة لا ترفض التطوير لكنها ترفض أن تعيش في المجهول

لا تطلب استثناء من القانون وإنما تطلب أن يطبق القانون بعدالة وشفافية وأن يكون الحوار أساس التعامل وأن تدرس البدائل التي تحفظ للناس بيوتهم واستقرارهم كلما أمكن ذلك

فليس عيبا أن نراجع قرارا من أجل المواطن وليس ضعفا أن نستمع إلى شكواه وليس تراجعا عن التنمية أن نبحث عن طريق يحفظ للناس بيوتهم وكرامتهم

العيب أن يظل المواطن خائفا وأن يبقى السؤال بلا إجابة وأن يشعر الإنسان بأن بيته الذي قضى فيه عمره أصبح مصدر تهديد لمستقبله بدلا من أن يكون عنوان أمانه.

طرة البلد تريد أن تعيش..تتطور.. وأن يكون أهلها أول المستفيدين من أي تطوير لا أول من يدفعون ثمنه

الأخطر من فقدان البيوت أن نفقد شعور الأجيال القادمة بالانتماء

إن أخطر ما يمكن أن يترتب على أي مشروع تطوير لا يضع الإنسان في قلب أولوياته ليس فقط فقدان بيت عاش فيه الآباء والأجداد أو ضياع مصدر رزق ارتبط بالمكان لعقود وإنما ما قد يتركه ذلك من جرح عميق في نفوس الأبناء والأحفاد.

فالانتماء لا يبنى بالشعارات وحدها بل يتشكل من شعور الإنسان بالأمان واعتقاده بأن أرضه وبيته وكرامته محل احترام وتقدير.

وحين يشعر طفل بأن بيته الذي نشأ فيه قد يصبح مهددا وأن أسرته قد تجد نفسها مضطرة إلى مغادرة المكان الذي تعرفه دون أن تفهم الأسباب أو تعرف مصيرها فإن الأمر يتجاوز حدود العقار وكيف نزرع في نفوس الأجيال القادمة حب الوطن والثقة في مؤسساته إذا لم يجدوا من يطمئنهم ويحاور أسرهم ويشرح لهم ما يجري.

إن التهجير القسري متى توافرت شروطه ووقائعه ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر بل تجربة قد تمس الاستقرار الاجتماعي والروابط العائلية ومصادر الرزق والذاكرة الجماعية.

ومن هنا فإن الواجب قبل أي خطوة تمس حياة المواطنين هو توضيح الحقائق وإعلان نطاق المشروع وأهدافه والاستماع إلى الأهالي وضمان حقوقهم وفق القانون ودراسة البدائل التي تحفظ لهم مساكنهم ومصادر رزقهم متى كان ذلك ممكنا.

إن تطوير المكان لا ينبغي أن يتحول إلى اقتلاع أهله وإنشاء المدن الحديثة لا ينبغي أن يأتي على حساب جذور المواطنين.

فأبناء طرة البلد لا يطلبون استثناء من القانون ولا يقفون ضد التطوير وإنما يريدون أن يعرفوا مصير بيوتهم وأن يطمئنوا على مستقبل أبنائهم وأن يكونوا شركاء في أي تغيير يمس حياتهم، لا مجرد متلقين لنتائجه.

فكيف نطالب أبناءنا بالتمسك بالوطن ونغرس فيهم قيم الولاء والانتماء إذا عاشوا تجربة يشعرون فيها بأن المكان الذي احتضن أسرهم وأحلامهم وذكرياتهم قد أصبح خارج حسابات مستقبلهم.

إن حماية الانتماء تبدأ بحماية كرامة المواطن وأي تطوير حقيقي لا بد أن يترك في نفوس الأجيال القادمة شعورا بأن الوطن يتسع لهم لا أنه يضيق بهم.
أهالي طرة ليسوا ضعفاء وهدوؤهم ليس استسلاما بل هو احترام للدولة وثقة في أن صوتهم يجب أن يصل ويُسمع.

فاستمعوا إليهم الآن وأجيبوا عن أسئلتهم قبل أن يتسع القلق ويصل الجميع إلى لحظة يصعب فيها احتواء الموقف الهدوء فرصة للحل فلا تتركوها تضيع.
 

✎

فريق تحرير المصطبة نيوز

فريق التحرير في المصطبة نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق