دعا المهندس مصطفى السمرة، الخبير الصناعي، إلى إعادة التفكير في منظومة البناء والتشييد في مصر، والتوسع في استخدام أنظمة البناء غير التقليدية والمواد منخفضة الكربون، بما يسهم في خفض الانبعاثات البيئية وتحقيق الاستدامة العمرانية، مؤكدًا أن المدن الذكية لا تبدأ فقط من استخدام الطاقة النظيفة وأنظمة التحكم الحديثة، بل من اختيار مواد البناء وطبيعة العناصر الإنشائية المستخدمة منذ مرحلة التأسيس.
وقال "السمرة" خلال كلمته الرئيسية في الجلسة الثالثة بعنوان "البنية التحتية الخضراء والمدن الذكية من أجل بناء مدن المستقبل"، ضمن فعاليات أسبوع مصر للأعمال المستدامة، إن النهضة العمرانية الأكبر والأسرع في تاريخ مصر الحديث تفرض تساؤلًا استراتيجيًا بشأن طبيعة العمران الذي تقدمه الدولة لأجيال المستقبل، مشددًا على ضرورة أن يمثل هذا العمران قيمة مضافة حقيقية، وألا يتحول إلى عبء بيئي أو اقتصادي.
المدن مسؤولة عن 70% من انبعاثات الاحتباس الحراري
أوضح الخبير الصناعي أن العالم حسم توجهه نحو الاستدامة استنادًا إلى مؤشرات دولية واضحة، لافتًا إلى أن تقارير برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية تشير إلى أن المدن مسؤولة عن 70% من انبعاثات الاحتباس الحراري، وتستهلك 75% من الطاقة عالميًا.
وأضاف، مستشهدًا بتقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة الصادر في مايو 2026، أن قطاع المباني والتشييد وحده مسؤول عن 37% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون حول العالم، وهو ما يعكس أن ثلث التحدي المناخي يرتبط بقطاع التشييد وطبيعة المواد الإنشائية المستخدمة.
الكربون المتجسد يدخل معايير تقييم المباني الخضراء
أشار "السمرة" إلى أن الصورة الذهنية للمدن الخضراء في مصر تركز غالبًا على حلول ترشيد الاستهلاك أثناء التشغيل، مثل الألواح الشمسية وأنظمة التحكم الذكية في الطاقة والمياه، ورغم أهمية هذه الحلول، فإن المعايير العالمية الحديثة بدأت تتجه إلى تقييم الأثر البيئي لمواد البناء نفسها.
وأوضح أن إصدار شهادة "ليد" الأمريكية الصادر في نوفمبر 2025 أصبح يفرض قياس الكربون المتجسد في مواد البناء والعناصر الإنشائية شرطًا أساسيًا للتسجيل والتقييم، بما ينقل مفهوم الاستدامة من قياس استهلاك المبنى للطاقة خلال فترة استخدامه إلى تقييم أثره البيئي طوال دورة حياته وما بعدها.
الهياكل الحديدية بديل لخفض استهلاك الأسمنت والخرسانة
أكد الخبير الصناعي أن خفض الانبعاثات الكربونية يتطلب ترشيد استهلاك الأسمنت والخرسانة التقليدية، التي تتسبب صناعتها عالميًا في نحو 7% من الانبعاثات، والتوجه إلى أنظمة بناء غير تقليدية تعتمد على الهياكل الحديدية والقطاعات المعدنية الخفيفة في المباني السكنية والإدارية والتجارية منخفضة الارتفاع.
وشدد على أن القضية لا تتعلق بالمفاضلة بين الحديد والخرسانة، وإنما بمواجهة الهدر وسوء استخدام الموارد، لافتًا إلى أن التوسع في الهياكل الحديدية يتيح خفض استهلاك الأسمنت بنسب تصل إلى 50%.
مصر تمتلك قاعدة صناعية تدعم البناء منخفض الكربون
أشار مصطفى السمرة إلى أهمية الاستفادة من القاعدة الصناعية المصرية المتطورة في مجال الصلب، موضحًا أن مصر احتلت المرتبة الرابعة عالميًا في إنتاج الحديد المختزل مباشرة، بإنتاج تجاوز 7 ملايين طن خلال عام 2024، وفقًا لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية.
وأضاف أن الحديد المختزل مباشرة يعتمد في إنتاجه على الغاز الطبيعي والكهرباء، ويُعد أقل تلويثًا للبيئة مقارنة بالأسمنت، بما يعزز فرص الاستفادة من القدرات الصناعية المحلية في تطوير أنظمة بناء أكثر استدامة.
الهياكل الحديدية تخفض الوزن ومدة التنفيذ
أوضح الخبير الصناعي أن المباني ذات الهياكل الحديدية أخف وزنًا بنسبة 30% مقارنة بالمباني الخرسانية، وهو ما يقلل الأحمال وحجم الأساسات والقواعد الإنشائية تحت الأرض.
وأضاف أن تكنولوجيا التصنيع المسبق تسهم في اختصار مدة التنفيذ بنسبة تصل إلى 30%، وتخفض التكاليف اللوجستية والإدارية، فضلًا عن دعم مفاهيم الاقتصاد الدائري، إذ يمكن إعادة تدوير 98% من الحديد الإنشائي في نهاية العمر الافتراضي للمبنى.
تحديات ثقافية وفنية أمام التوسع في البناء الحديدي
وفيما يتعلق بالتحديات التي تواجه التحول إلى الهياكل الحديدية، أوضح "السمرة" أن الأمر يتطلب تغييرًا في ثقافة السكن التي تربط الأمان بالخرسانة الثقيلة، إلى جانب تأهيل العمالة والمقاولين للتعامل مع أنظمة البناء الحديثة.
وأشار إلى ضرورة التعامل مع فروق التكلفة المبدئية للهيكل الحديدي من خلال النظر إلى الجدوى الاقتصادية للمشروع وسرعة تحقيق العائد التشغيلي، بدلًا من الاقتصار على مقارنة تكلفة الإنشاء الأولية.
3 مسارات لتطوير منظومة البناء المستدام في مصر
شدد الخبير الصناعي على ضرورة مواكبة التشريعات الدولية الحديثة، ومن بينها التوجيه الأوروبي لأداء الطاقة في المباني وآلية تعديل حدود الكربون، داعيًا إلى تبني ثلاثة مسارات رئيسية في السوق المصرية، تشمل تطوير صناعة الحديد والأسمنت منخفض الكربون، والتوسع في التصنيع المسبق للعناصر الإنشائية، وتحديث أكواد البناء، إلى جانب بناء سوق محلية أكثر استجابة وتقبلًا للحلول العمرانية الحديثة.
واختتم المهندس مصطفى السمرة، بالتأكيد على أن الاستدامة في جوهرها مسؤولية أخلاقية وإنسانية لحماية حقوق الأجيال القادمة، مشيرًا إلى أنه لا يمكن تحقيق استدامة المباني من خلال تغيير مادة واحدة، وإنما يتطلب الأمر تغيير طريقة التفكير في المنظومة العمرانية بأكملها، والاستفادة الذكية من قدرات مصر الصناعية لبناء مدن تتسم بالكفاءة والازدهار.
- ارتفاع سعر طن الحديد في سوق مواد البناء اليوم الأحد
- سعر طن الحديد في سوق مواد البناء اليوم الجمعة 25 - 9 - 2026
- تراجع سعر طن الحديد في سوق مواد البناء اليوم الخميس
- الشورى يطالب بتوحيد أنظمة البناء بالمملكة ودراسة زيادة عدد الأدوار بهذه المناطق
- هجمات إلكترونية وراء الفكرة.. لماذا يتم توصيل الثلاجات بالإنترنت في أوروبا؟






