في زمن تغيّرت فيه قواعد الكوميديا التلفزيونية، ومالت فيه بعض برامج المنوعات والترفيه والمقالب إلى التصعيد والمبالغة، جاء برنامج الكاميرا الخفية الذي قدمه مخرج الإعلانات المعروف تميم يونس خلال السباق الرمضاني هذا العام ليقدّم طرحاً مختلفاً، يعيد إلى الأذهان روح المدرسة الكلاسيكية التي أسسها الفنان فؤاد المهندس الذي يعد أول من قدم هذا النوع من البرامج منذ عقود، ولكن بروح معاصرة تناسب جمهور اليوم.
أبرز ما يلفت الانتباه في البرنامج هو الوعي الواضح بتاريخ هذه الحلقات الفنية، فالكاميرا الخفية في العالم العربي لم تكن مجرد قالب ترفيهي، بل جزء من ذاكرة جماعية ارتبطت بحلقات كوميدية خفيفة خاطبت وجدان كل أفراد الأسرة ولا تزال حية في ذاكرة الأجيال، إذ كانت المقالب تقوم على المفارقة الخفيفة والموقف الذكي والابتسامة الهادئة والكوميديا النابعة من الموقف.
إعادة توظيف
برنامج الكاميرا الخفية 2026 لم يحاول إعادة إنتاج هذا النموذج حرفياً، بل استدعاه مرجعيا وأعاد توظيفه، فنلمس ذلك في بساطة الفكرة وعدم الاعتماد على الرعب أو الصدمة والتركيز على الموقف أكثر من رد الفعل المبالغ فيه. هنا تتجلى نقطة مهمة، وهي أن البرنامج لم يراهن على الدهشة العنيفة بقدر ما راهن على الطرافة الهادئة.
في المقابل، اختار البرنامج بوضوح الابتعاد عن الاتجاه الذي ساد في السنوات الأخيرة، إذ تحولت بعض برامج المقالب إلى مساحة لإحراج الضيف أو وضعه في مواقف قاسية أو حتى تهديده نفسياً مثل برنامج «رامز جلال» الذي رغم استمراريته 16 عاماً، يواجه الكثير من الانتقادات من النقاد والجمهور والعديد من الفنانين أنفسهم.
ما قدمه تميم يونس هذا العام أقرب إلى كوميديا بلا إهانة، فلا يقوم المقلب على كسر صورة الفنان أو التقليل منه، بل على وضعه في موقف غير متوقع ثم كشف المفارقة دون إطالة.
نموذج مختلف
على مستوى الأداء، إن تميم يونس قدّم نموذجاً مختلفاً للمقدم، فهو لم يعتمد على الشخصية المتسلطة التي تتحكم في الضيف ولم يلجأ إلى الأداء المسرحي المبالغ فيه، بل ظهر في منطقة وسطى تجمع بين العفوية والإدارة الذكية للموقف، وهو ما انعكس بشكل مباشر على الضيوف الذين بدوا أكثر ارتياحاً وأقل دفاعية.
ونجح البرنامج في الحفاظ على نمط القالب الترفيهي الخالي من التنمر أو الإيذاء النفسي أو البدني. كما حرص البرنامج على إعادة إحياء روح برنامج الكاميرا الخفية الأصيلة والخالدة في الأذهان حيث احتفظ بالموسيقى التصويرية ومقدمة البرنامج المميزة بالكلمات واللحن نفسها.
تضمن البرنامج فقرتين، الأولى مقلب كوميدي متقن ومقنع نُسج للفنانين الضيوف مثل دينا الشربيني وأيتن عامر وبيومي فؤاد وخالد سليم وغادة إبراهيم وغيرهم الكثير.
وضمت الفقرة الأخيرة استرجاعاً لمشاهد قديمة من ذاكرة البرنامج والتي كان يقدمها الفنانون فؤاد المهندس وإبراهيم نصر وإسماعيل يسري.
وإذا وضعنا البرنامج في سياق تطور هذا النوع من البرامج، سنجد أنه يقف في منطقة وسطى بين مدرسة فؤاد المهندس التي اعتمدت على الخفة والبساطة واحترام الضيف، وبعض برامج المقالب الحديثة التي تميل إلى الصدمة والمبالغة والاعتماد على ردود الفعل الحادة. البرنامج سعى لاستعادة روح المدرسة الأولى دون أن يتجاهل إيقاع العصر، وهو توازن صعب لكنه واضح في معظم حلقات البرنامج.


















0 تعليق