حفّزت مقالة الناقد والشاعر رسول عدنان المعنونة بـ»تفكيك مشروع مجلة شعر اللبنانية» المنشورة في «القدس العربي» اللندنية يوم الثلاثاء 8 من سبتمبر/أيلول 2026 لكتابة هذا التعقيب، والحقيقة أن المقال طرح مجموعة من الأفكار والعلامات الدالة على تبصّر مهم في تاريخ التحولات الشعرية العربية، ولعل دور مجلة «شعر» في الثقافة العربية لا يغفل، على الرغم مما ارتبط بها من شبهات، وبدءا يمكن الإحالة إلى مجموعة من المقالات والدراسات التي أظهرت بشكل من الأشكال ارتباطات مجلة «شعر» (المشبوهة) ففضلا عن دراسة سامي مهدي التفصيلية المنشورة في مجلة «الأقلام» عام 1987، كانت دراسة عبد الإله أحمد «محنة المثقف العربي بين استلاب الداخل ومسخ الغزو الثقافي على أعتاب القرن الواحد والعشرين» المنشورة في مجلة «الموقف الثقافي» عام 2000، وقبلها ما أشار إليه عز الدين المناصرة في مقالته «الآداب وتأسيس الحداثة الشعرية» المنشورة في مجلة «الآداب» عام 1994. هذه الإشارات الضمنية، أو الصريحة تضعنا أمام تساؤل كبير هو، إلى أي حد أسهمت مجلة «شعر» في زعزعة الحداثة الشعرية؟ ولماذا لم تؤخذ حركة الرواد العراقيين بالمعيار نفسه؟ بمعنى أوضح هل كانت قصيدة الرواد العراقيين نتاج حراك ثقافي عربي خالص؟ ثم هل كان الأمر متعلقا بالجماعة والمجلة، أم بالنتاج الشعري؟ لقد أجاب سامي مهدي عن هذا بشكل واضح في جزئية مهمة تتعلق بالأنموذج الإنكليزي والانموذج الفرنسي الذي هيمن لاحقا على جماعة المجلة، وقبل الحديث عنه أرى أن سامي مهدي، على الرغم من دقة بحثه، إلا إنه حلل ارتباطات مجلة «شعر» الأيديولوجية بمنطق أيديولوجي، لذلك حاول أن يسحب الوقائع إلى ساحته مع عدم إغفال أن جماعة شعر كانوا في أغلبهم متحزبين إلى الحزب القومي السوري وهو أمر معروف تاريخيا.
المثير في مقالة رسول عدنان عدّه حسين مردان رائد قصيدة النثر، وقبل أن أوثّق ما يذهب إليه، أشير إلى ما أورده سامي مهدي فيما يخص قصيدة النثر يقول: «في البداية، أي حين صدرت مجلة «شعر» عام 1957 بدا وكأنّ الكفّة تميل لصالح ذوي الثقافة الأنكلوسكسونية الذين يدعون إلى كتابة الشعر الحر». يقول أيضا «كانوا يمتلكون رؤية واضحة وقرارا واضحا، كانوا يعرفون الشعر الحر ويمارسون كتابته عدا يوسف الخال، الذي كان يكتب قصيدة التفعيلة»، وطبعا مصطلح الشعر الحر معروفة دلالته هنا. ويشير سامي إلى رسالة جبرا للمجلة ناقلا عنه «ألا من شعر حر بالفعل هنا في بغداد؟ أعتقد الجواب كلا».. ومن المناسب أن أشير أيضا إلى ما كتبه عز الدين المناصرة في مجلة «أفكار» عام 2012 إلى أن أعوام 1953 وما تلاها كانت حافلة بنشر قصائد النثر لتوفيق صايغ، أو لجبرا أو غيره وهو ما ذكره سامي أيضا. لكنّ لفاضل العزاوي في كتابه «الموجة الحية» رأي آخر، إذ أشار بوضوح إلى أن حسين مردان يعد رائد كتابة قصيدة النثر «93» ولعل قوله لم يستند إلى أدلة واضحة، وربما ساق هذا القول جزافا كما الحال في إشارته إلى عبد الرحمن الربيعي وكتابته لـ»الشعر المنثور»، يقول العزاوي «في اتحاد الأدباء التقيت حسين مردان « وهو ما يعني عام 57 أو بعده . ويشير إلى إنه كان يقرأ له ما ينشره في صحيفة «الأخبار» من نثر مركز.
إن ما يجدر الوقوف عنده بحق ما كتبه علي جواد الطاهر في كتابه «من يفرك الصدأ» عن «صور مرعبة « التي نشرت عام 1951، واصفا إياها «نثر في صورة شعر» ثم يقول، «هذا النثر المركز شعر آخر في روحه، إذا آمنا بأن الشعر روح… وليس من ذنب حسين مردان إن أخفق الآخرون في قصيدة النثر لأنهم جاءوا إليها ناثرين ولم يأتوا كما أتى شاعرين». ثم يقول «وإذا كان حسين مردان مبكرا فيه ومن رواده، إن لم يكن رائدا، فيصعب أن يكون قد خلقه من دون إلمام بسابق عليه، لا سيما إذا علمنا إمكان أن يكون هذا الرائد السابق عليه بودلير، وتذكرنا مكانة بودلير من مطمح حسين مردان ومزاجه»، ويضيف الطاهر «لقد نظم حسين مردان «صور مرعبة» على نمط لم يعرف له اسم، فلم يعرف بعد «بقصيدة النثر»، ولم يصل بعد الى اسم «النثر المركز»، وينقل عن مردان قوله «السبب الحقيقي الذي دفعني إلى كتابة هذا النوع من النثر، هو اكتشافي أن الوزن يحدّ من إظهار الحيوية النفسية ونقل العالم الباطني بصورة دقيقة.. ولذلك أطلقت عليه النثر المركز». وقد بيّن مردان موقفه من الوزن الشعري وفهمه للشعر بمقال «الأرجوحة هادئة الحبال» المنشور في جريدة «الأخبار» عام 1957. كما أورده عادل كتاب، في الجزء الثاني من الأعمال الكاملة للشاعر المذكور.
السؤال الكبير لماذا أُهمل النثر المركز ولم يدخل حتى في حساب إرهاصات سبقت قصيدة النثر؟ الحقيقة إن هذا السؤال يفتح نوافذ متعددة، ويحتاج إلى تتبع دقيق للمرحلة كلها، ويذكرنا بقول العقاد حين سئل عن الشعر العراقي فقال «وهل في العراق شعر؟»، والأمر نفسه لاحظناه في تعقيبات وتعليقات لبعض شعراء المجموعة حول شعر نازك، وأشير هنا إلى أدونيس والخال والمناصرة، ولا يقتصر الأمر عليها بل ثمة إشارات واضحة إلى «تقليدية السياب»، ويمكن أن أشير أيضا إلى أن جماعة شعر 69 «الستينيون العراقيون»، ذهبوا المذهب نفسه.
في إيجاز شديد، أرجح أن ثمة دوافع غير معلنة لانتزاع الريادة العراقية لقصيدة النثر، لكن هذه الدوافع «الخارجية» ليست هي الوحيدة، ثمة عوامل داخلية دفعت في الاتجاه نفسه، وأعني هنا تحديدا اللااستقرار السياسي في تلك المرحلة، وقد أثّر في نمو الاتجاهات الجديدة، فضلا عن الهيمنة الثقافية التي مارستها قصيدة التفعيلة على المشهد الثقافي آنذاك.
وآخر ما أشير إليه هو عن أثر جماعة شعر في جماعة «شعر 69». وقد لوّح بهذا الشاعر والناقد خالد علي مصطفى في كتابه «شعراء خارج البيان الشعري» بقوله مشيرا إلى أدونيس «ويجب الاعتراف إنه كان لقصيدة (هذا هو اسمي) تأثير ملموس على شعراء جيلي (وما أبرئ نفسي)»، ويقول سامي مهدي في «الموجة الصاخبة» مشيرا إلى جيله «وكانت أنظارهم تتجه إلى الخارج صوب بيروت وتلاحق أعداد مجلة شعر ومجلة حوار وتتفاعل مع ما ينشر فيها.. وصار كثير منهم يفضل توفيق صايغ وأدونيس وأنسي الحاج، وربما يوسف الخال وفؤاد رفقه على السياب والبياتي وبلند الحيدري ونازك الملائكة، وكان لديوان أغاني مهيار الدمشقي ثم ديوان كتاب التحولات والهجرة في أقاليم الليل والنهار وكتاب لن، وقع كبير بينهم». وثمة إشارات واضحة يوردها فوزي كريم في كتابه «تهافت الستينيين»، يقول «الروح الجديدة التي أطلقتها الستينيات داخل المجتمع العراقي.. كانت ظاهرة عراقية بالتأكيد، لكنها لم تحدث بمعزل عن الروح الجديدة التي كانت تعصف بالعالم كله آنذاك» و»يتبنى هاجس الرفض المطلق الذي سبقه أدونيس إليه» ويقول، «حين جاءتنا قصائد أدونيس كانت كما شاء لها الشاعر أن تكون «إنجيل الرفض».. كان الجميع يطمع به رفضا شاملا لكل ما أعطاه التاريخ». كتب العزاوي مميزا ثلاثة اتجاهات في القصيد\ة الستينية» الطليعي/ الشكلي/ التجديدي»، ويرى أن الاتجاه الثاني من شعراء الستينيات كان متأثرا بمجلة «شعر» كما إن الثالث متأثر بأدونيس وشعراء آخرين»، ولا يكف العزاوي مثل أقرانه الآخرين عن تأكيد اختلافهم عن الرواد. وأشار إلى أن أدونيس من أوائل من انتبهوا إلى ظاهرة الكتابة الجديدة في العراق»، ووصف العزاوي إن مجلة «شعر» تمثل اتجاها في حين أنهم يمثلون فضاء ثقافيا». وأشار إلى أن تمويل «شعر» لم يكن صعبا على أدونيس والخال، ووصف ذلك وأرجعه إلى ما سماه الظرف الذاتي المختلف عن تكوين جماعتهم». «ولم يختلف العزاوي عن غيره بإشارته إلى مجموعة «شعر» أن تجديدهم مرتبط بميول وحساسيات بضعة شعراء». إن ما ورد أعلاه موثقا يبني حقيقة أن لا وجود لأي تحول ثقافي بمعزل عن الحراك العالمي بشكله الواسع، ولا يخلو أي تحول من ضواغط الأيديولوجيا على الإطلاق، لذلك أرى أن القصيدة الستينية أثريت بفعل مؤثرات مختلفة كان من ضمنها جماعة «شعر» اللبنانية ثم استوفت خصائص مشروعها الشعري الذي تباين هو الآخر.
بين مجلة «شعر» و «شعر 69» والريادة العراقية لقصيدة النثر
بين مجلة «شعر» و «شعر 69» والريادة العراقية لقصيدة النثر


















0 تعليق