عادت أصالة إلى المسرح بعد غياب طويل. عادت إلى دمشق ومسرح الفيحاء بعد ستة عشر عاماً من المنفى القسري، إلى بلد تغيّر وجهه أكثر من مرة منذ أن وقفت آخر مرة أمام السوريين، وإلى جمهور يحمل ذاكرته الخاصة عن سنوات الحرب والمنفى والانقسام. ما إن اقترب موعد الحفل حتى أطل من يرى في الغناء والموسيقى والرقص واختلاط الرجال والنساء أموراً محرمة، ووصفها بـ»حفلة طرب ومجون»، وقال آخرون «ما لهذا قامت الثورة»، ووصل الأمر بأحد الخطباء وبلا حياء إلى وصف أصالة بأنها «فاسقة».
القضية ليست أصالة وحدها، ولا حفلة غنائية بعينها، القضية هي الفن عموماً، الموسيقى والمسرح والرسم والأدب الذي يوصل إلى معنى الحرية نفسها. هل الغناء تهمة بحد ذاته؟ أم أن النقاش ينبغي أن يكون في مضمون الأغنية وطريقة تقديمها؟ وهل اجتماع الرجال والنساء في حفلة موسيقية تهديد للمجتمع؟ أم حول معايير طريقة الحضور والتفاعل مع الفنان هي المسألة التي يمكن النقاش حولها مثلا ما دار حول حفلة عمرو دياب الأخيرة في العقبة؟ أم أن هذه كلها اختيارات شخصية ينبغي أن تُترك للفرد وللجمهور ما دام لا يفرضها أحد على غيره؟
التحدي الحقيقي للحرية وانتصارها ليس أن نجعل الجميع متشابهين، بل أن نتعلم كيف يعيش المختلفون معاً، حتى لو كانوا على طرفي نقيض
يبدو السؤال دينياً، لكنه يصبح سياسياً عندما يحاول أحدهم تحويل رؤيته إلى قاعدة ملزمة لمجتمع، بل لمجتمعات بأكملها. يمكنك أن لا تحب أصالة، بل أن تكره الآلات الموسيقية، وأن ترى في الغناء ترفاً لا يناسب قناعاتك الدينية، ولكن يمكن لغيرك أن يراها فرحاً يحتاج إليه الناس، خصوصاً بعد سنوات من حرب زرعت الموت بأبشع صوره. سؤال يلاحق الحفلات والمهرجانات في العالم العربي منذ سنوات، خصوصاً قبل وبعد حرب الإبادة في غزة: كيف نغني بينما فلسطين تُذبح؟ كيف نرقص بينما أطفال غزة يموتون بالآلاف؟ كيف نقيم مهرجاناً وهناك عائلات فقدت بيوتها وتعيش في الخيام؟ وكيف نضيء المسرح بينما تعيش مدن كاملة في الظلام؟ سؤال نبيلٌ، لكن أخذه إلى نهايته الحرفية يقود إلى تساؤل، هل علينا أن نوقف الأغاني والسينما والمسرح والأعراس وكرة القدم والتلفزيون ما دامت هناك حروب؟ وهل يصبح الفرح خيانة ما دامت فلسطين وشعوب المنطقة تعيش ويلات الحروب. غزة ليست المأساة الوحيدة، هناك السودان واليمن وسوريا ولبنان وليبيا والعراق والصومال وغيرها، ممن عرف الحرب وما زال بعضها يعيش الانهيارات والكوارث، وهناك شعوب كثيرة تعيش الفقر والجوع والقمع، فهل على العالم العربي أن يتحوّل إلى مأتم دائم؟ الفرح لا يعني خيانة للضحايا، الفرح نفسه مقاومة لليأس، وهذا ما رأيناه ونراه حتى بين خيام النازحين وفي مراكز الإيواء في قطاع غزة، حيث يحاول الناس أن يصنعوا لحظات فرح صغيرة وسط الركام والموت، وكأنهم يصرخون، ما زلنا أحياء وقادرين على الفرح والحب والزواج. عودة أصالة إلى دمشق تحمل معنى يتجاوز الأغاني التي قدمتها. لقد عادت إلى مدينة تغيرت، وإلى بلد عاش حرباً طويلة وانقسامات سياسية واجتماعية عميقة. وفي الحفل لم تكن الأغاني وحدها حاضرة، بل حضرت صور بدايات أصالة وسنوات غيابها ومواقفها السابقة. ظهورها على المسرح فتح سؤالًا أكبر: ماذا تعني الحرية في سوريا الجديدة؟
هل المطلوب أن تستبدل البلاد سلطة سياسية على تفاصيل حياة الناس بسلطة دينية على التفاصيل نفسها؟ وهل يسقط استبداد ليظهر استبداد آخر من الجهة المعاكسة؟ بمفردات مختلفة ومن منبر آخر، بل حتى من المنبر نفسه الذي استخدم لشرعنة القمع في النظام السابق؟ الثورة قامت من أجل الحرية، ولا يمكن للحرية أن تكون انتقائية، الحرية للجميع، إما أن تكون مبدأ، أو تتحول إلى امتياز تمنحه فئة لمن تشاء وتسحبه ممن تشاء. من حق إنسان ما أن يرى الغناء حراماً، ومن حقه ألا يستمع إليه، وأن يربي أبناءه على ما يؤمن به، ولكن ليس من حقه أن يحوّل اعتقاده الشخصي إلى قانون عام يُفرض على جميع من حوله، علماً أن الإنسان نفسه قد يتغير في قناعاته خلال مراحل مختلفة من حياته، ولا يمكن أن نحاسبه ونفرض عليه البقاء على شخصية واحدة عرفناه بها؟ ربما كان هو نفسه ماركسياً أو بعثياً ثم تحوّل إلى أصولي ديني، ثم تحول إلى اشتراكي ديمقراطي؟
المجتمع ليس نسخة واحدة، فيه المتدين وغير المتدين، فيه متشدد ومتسامح، ومحافظ ومنفتح، حتى الإنسان نفسه ليس هو نفسه في نسخة واحدة، فهو يتغير ويتعلم ويتأثر من تجاربه في الحياة ومن الأحداث التي يراها ويعيشها، قد تهز قناعاته التي كان يظنها راسخة إلى الأبد. التحدي الحقيقي للحرية وانتصارها ليس أن نجعل الجميع متشابهين، بل أن نتعلم كيف يعيش المختلفون معاً، حتى لو كانوا على طرفي نقيض. سوريا الخارجة من حرب طويلة لا تحتاج فقط إلى إعادة بناء الطرق والمطارات والمستشفيات والبيوت، بل إلى إعادة بناء فكرة الإنسان الذي يستطيع أن يختلف، أن يغني أو يصمت، أن يذهب إلى حفلة غناء أو يبقى في بيته ويتجنبها، أن يدعو الناس لحضورها أو ينصح بعدم حضورها. في أمريكا وأوروبا وكثير من البلدان لا يدور السؤال حول ما إذا كانت الموسيقى حلالا أو حراما، بل حول حدود حرية الفنان وحقه في التعبير السياسي، هل يحق له أن يتحدث عن فلسطين ويرفع علمها على المسرح، وأن يهتف «الحرية لفلسطين»؟ هل المسرح مكان للسياسة؟ أم ينبغي أن يبقى بعيداً عنها بحجة الفن للفن وفقط؟ هناك فنان يرى أن منصته جزء من موقفه الأخلاقي والسياسي، مثل مغني الراب الأمريكي ماكليمور الذي أصر على الغناء لفلسطين ولهند رجب، ودفع ثمن موقفه متحدياً حيتان الشركات المنظمة للحفلات، التي أعلنت وقف العمل معه في محاولة لقمع صوته. إلا أن ماكليمور الذي أبعد، نجح في تحويل إبعاده عن المسرح إلى قضية أكبر من الحفل نفسه، فقد تضامن معه فنانون آخرون، وتحوّل تحديه المالي إلى ملايين الدولارات المخصصة للمساعدات الإنسانية، وبقيت فلسطين في قلب الحدث نقاش. الحرية ليست فقط أن تقول ما تريد، أو أن تفرض رأيك وموقفك، بل أن تتقبل أيضاً أن يختلف الآخر معك، وأن يرد عليك وينتقدك، وربما يرفض حفلتك، من دون أن يتحول الخلاف إلى تهديد لحياته أو حياتك. من الخطأ أيضاً أن تتحول فلسطين إلى عصا نضرب بها كل مظهر من مظاهر الفرح.
عندما نقول إن فلسطين تُذبح، وإن غزة تعيش كارثة، فإننا نريد تغيير هذا الواقع بكل الوسائل الممكنة، وفي الوقت ذاته لا نحقد على من يفرح، أو ينعم بالأمن في بلده، فنوجّه له شتى الاتهامات البعيدة عن الواقع، وأخذ الشعوب بجريرة الحكام، أو بجريرة فنان لا همّ له سوى تحقيق الأرباح بكل الوسائل، حتى تلك التي تتجاوز الحياء والمعايير الاجتماعية المتعارف عليها! ولا أن نوجه كلاماً بذيئاً لشعب ما لأن بعض أبنائه شاركوا في حفل غنائي، أو أقاموا حفلا تخللته ولائم كبيرة وهناك جياع، الانتقاد وتوجيه اللوم والعتب مقبول، أما تحويل مظاهر الفرح والاحتفاء إلى عداء وتخوين فهذا خطأ كبير، بحق الناس وبحق فلسطين. يمكن أن تحزن على غزة وتسمع أغنية. يمكن أن تتبرع للفلسطينيين وتذهب إلى حفلة. يمكن أن ترفع العلم الفلسطيني في مسيرة أو مهرجان، وأن تطالب بوقف الحرب، ثم ترقص وتحتفل بنجاح ابنتك وتفوقها في المدرسة. يمكن أن تذهب إلى حفل أصالة ثم تخرج منه لتكتب عن تداعيات ما تراه وتسمعه. التناقض يبدأ عندما نطالب الآخرين بأن يحزنوا بالطريقة التي نحزن بها، وعندما ننزع إنسانية من يضحك أو يغني أو يرقص في زمن المأساة. الخطر الحقيقي هو أن يصبح الحزن والانغلاق عقيدة، وأن تتحول المأساة التي كانت والتي ما زالت مستمرة إلى مبرر لإلغاء كل شيء جميل.
في المقابل، لا يجوز استخدام الخطاب الأصولي الذي يحارب الفن والفنانين لتجميل ما كان قبله أو الادعاء بأن الاستبداد السابق كان يمثل الحرية والجمال والرّقي، القمع يبقى قمعاً سواء ارتدى ثياب الوطنية والقومية وزي العسكر أو تحدث باسم الدين والأخلاق وارتدى الزي الديني. نحلم بوطن عربي يستطيع فيه الشيخ أن يقول رأيه على منبره دون أن يعتقل، والفنان أن يغني ويبدع في مجاله دون تكفير أو تسفيه، وأن يبقى متسع للجميع من دون أن يفرض طرف رؤيته الأحادية على الآخرين. يجب أن نصل إلى قناعة عميقة بحق المختلف في التعبير عن رأيه، شرط ضبط هذه الحرية بحيث لا تسبب الفتنة أو التحريض على إيذاء الآخرين. نرفض قمع الجماهير وحقها في التعبير بحجة مكافحة التطرف الديني، التي تحولت إلى موضة تشهرها السلطات العربية في أكثر من مكان في وجه معارضيها، ونرفض في الوقت نفسه أن يتحول الخطاب الديني إلى سيف من التحريض مسلط على رقاب الفنانين وجمهور الفن. فلا يمكن تصور مجتمع حر بلا مسرح وغناء وأدب وترفيه، مثلما لا يمكن تصوره من دون مساجد وكنائس ومنابر يستطيع أصحابها التعبير عن معتقداتهم. المهم ألا نقتل الحرية ونحن ندافع عنها، وألا نغلق المسرح ونحن نطالب بالعدالة، وألا نمنع الأغنية والفرحة، ونحن نتحدث عن حقوق الإنسان، وألا نجعل قضايانا الوطنية ذريعة لمصادرة حق الإنسان في أن يعيش نصيبه من الحياة الدنيا. السوري الذي خرج من سنوات الخوف لا يريد أن يستبدل خوف الأجهزة الأمنية بخوف من المنابر. والفنان الذي يقف على المسرح لا يطلب أكثر من مساحة يغني فيها، ثم يترك للجمهور حرية أن يصفق أو يغادر. عودة أصالة إلى دمشق أكبر من حفلة غنائية. لقد تحولت إلى سؤال عن الحرية، وسؤال الحرية لا يخص سوريا وحدها، إنه يخص الوطن العربي كله.
كاتب فلسطيني

















0 تعليق