باريس- «القدس العربي»: مع تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات التشريعية المغربية، بحصوله على 97 مقعداً، متقدماً على حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال، تتزايد التساؤلات حول إمكانية أن يعيّن العاهل المغربي، الملك محمد السادس، سيدة على رأس الحكومة المقبلة، في سابقة ستكون الأولى من نوعها في تاريخ المملكة.
ويفتح هذا الاستحقاق الانتخابي الباب أمام مرحلة جديدة من المشاورات والتشكيل الحكومي، إذ ينص الدستور المغربي على أن يعيّن الملك رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدّر انتخابات مجلس النواب.
وأوضحت مجلة «جون أفريك» الفرنسية أنه، في صفوف حزب الأصالة والمعاصرة، لا تخفي فاطمة الزهراء المنصوري طموحها لأن تكون على رأس الجهاز التنفيذي. وكانت هذه الأخيرة قد أكدت أن حزبها لن يكتفي بدور ثانوي في الحكومة، كما أعلنت أنها لن تشارك في حكومة يقودها حزب التجمع الوطني للأحرار.
وكان دخول فوزي لقجع إلى المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة قد عزز التكهنات بشأن إمكانية ترشحه لرئاسة الحكومة، بالنظر إلى موقعه كوزير منتدب مكلف بالميزانية ورئيس للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فضلاً عن شعبيته الواسعة. غير أن لقجع أكد أنه «لم يفكر قط» في تولي رئاسة الحكومة.
لا عائق دستورياً أمام تولي امرأة رئاسة الحكومة
من الناحية القانونية، تشير «جون أفريك»، تبدو المسألة واضحة. فالفصل 19 من الدستور المغربي يكرّس مبدأ المساواة بين الرجال والنساء، فيما ينص الفصل 47 على أن الملك يعيّن رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدّر انتخابات أعضاء مجلس النواب، من دون أن يضع أي شرط يتعلق بجنس رئيس الحكومة. وبالتالي، فإن تعيين امرأة على رأس الحكومة لا يحتاج إلى أي تعديل دستوري، لكنه سيمثل تحولاً مهماً في مشهد سياسي لا تزال هيمنة الرجال عليه واضحة.
تقدم نادية فتاح العلوي، القيادية في حزب التجمع الوطني للأحرار، نموذجاً آخر لامرأة وصلت إلى موقع حكومي بارز. فهي ذات خلفية تكنوقراطية ودولية، وكانت أول امرأة في تاريخ المغرب تتولى وزارة الاقتصاد والمالية، عام 2021.
ومع ذلك، لا المنصوري ولا فتاح العلوي أعلنتا ترشحهما رسمياً لرئاسة الحكومة. لكن مجرد طرح اسميهما في هذا السياق يعكس تحولاً لافتاً في النقاش السياسي المغربي، توضح «جون أفريك»، مضيفة نقلا عن الباحث السياسي محمد طوزي، قوله إن “البعد القانوني هو على الأرجح أبسط جوانب المسألة”، في إشارة إلى أن العقبات المحتملة لا تتعلق بالنص الدستوري بقدر ما ترتبط بالتقاليد السياسية والاجتماعية والدينية والبروتوكولية.
تمثيل نسائي في صعود… لكن الطريق ما يزال طويلاً
رغم ارتفاع حضور النساء في الحياة السياسية، فإن وصولهن إلى مواقع القرار لا يزال يواجه عقبات. ففي انتخابات عام 2026، شكلت النساء 36.47 في المائة من إجمالي المرشحين للانتخابات التشريعية، لكن النساء لم يترأسن سوى 121 لائحة محلية من أصل 1615 لائحة. ويعتمد جزء من هذا التقدم على آليات الحصص الانتخابية، بينما ما تزال النساء يواجهن، على المستوى الميداني، صعوبات مرتبطة بشبكات العلاقات السياسية والحضور المحلي، ولا سيما في المناطق القروية.
وتعكس نتائج «البارومتر العربي» صورة متناقضة بدورها، إذ يرى 57 في المائة من المغاربة أن الرجال أفضل من النساء في تولي القيادة السياسية، في حين يؤيد ما بين 71 و73 في المائة نظام الحصص المخصصة للنساء، ويرون أن وصول النساء إلى مواقع القيادة يسهم في تعزيز حقوقهن.
وفي النقاش حول احتمال تولي امرأة رئاسة الحكومة، يبرز أيضاً موقف عملي لدى بعض المواطنين مفاده أن جنس رئيس الحكومة ليس العامل الحاسم، بقدر ما تهم الكفاءة والعمل والنزاهة. وهي قضايا تتقاطع مع أولويات الرأي العام، وفي مقدمتها مكافحة الفساد وتحسين جودة الخدمات العمومية.
المرأة والسلطة في الخطاب الديني
ولا يبدو أن الجدل حول تولي امرأة رئاسة الحكومة سيقتصر على السياسة والقانون، بل قد يمتد إلى المجال الديني، توضح «جون أفريك».. وتنقل في هذا الصدد عن «إسلامي» مغربي متخصص في إصلاح الفكر الديني، قوله إن مقاومة الفكرة لن تأتي بالضرورة من المجتمع ككل، موضحاً أن «وجود النساء في السياسة لا يثير مشكلة عامة». لكنه يعتبر أن الجدل قد ينشأ أساساً من توظيف المرجعية الدينية لتبرير رفض وصول المرأة إلى السلطة السياسية.
وفي هذا السياق، يميز الباحث بين النصوص المؤسسة للإسلام وبين الفقه باعتباره اجتهاداً بشرياً في تفسير الأحكام. ويشير إلى أن القرآن والسنة لا يتضمنان، وفق قراءته، نصاً صريحاً يحظر على المرأة تولي السلطة السياسية. ويستشهد في هذا الصدد بقصة بلقيس، ملكة سبأ، التي يقدمها القرآن باعتبارها نموذجاً للحكم القائم على التشاور والتدبر، في مقابل صورة الاستبداد التي يجسدها فرعون. كما يشير إلى أن مفهوم البيعة السياسية شمل الرجال والنساء، وأن الخليفة عمر بن الخطاب عيّن امرأة في موقع رقابي اقتصادي.
في المقابل، يستند الرافضون لتولي المرأة السلطة إلى حديث يقول: «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة». ويشير الباحث إلى أن الحديث لم يرد في صحيح مسلم، أحد أبرز كتب الحديث المعتمدة، وأن روايته ارتبطت، تاريخياً، بموقف من معركة الجمل سنة 656. وبالتالي، لا يقدم الفقه الإسلامي موقفاً موحداً وحاسماً من المسألة، بل توجد آراء متعددة لدى علماء الدين، قديماً وحديثاً. غير أن القراءة التي تمنع المرأة من تولي السلطة السياسية ترسخت اجتماعياً، وتداخلت معها تصورات تقليدية عن «عاطفية المرأة وضعفها».
وبالتالي، لا يوجد نص قرآني صريح يمنع المرأة من الحكم، كما أن الفقه ليس موحداً في هذا الشأن، لكن التصور الرافض ما يزال حاضراً في المخيال الديني والاجتماعي، فيما لا يدرك كثير من المغاربة، وفق هذا الطرح، وجود تعدد تاريخي في المواقف الفقهية من المسألة.
تحدٍّ بروتوكولي غير مسبوق
إلى جانب الجدل القانوني والديني، تتابع «جون أفريك»، تبرز مسألة أخرى أكثر تحديداً، تتعلق بالبروتوكول الملكي والمراسم الدينية.. فرئيس الحكومة يشارك في عدد من المناسبات الدينية الكبرى التي يترأسها الملك، بصفته أمير المؤمنين، من بينها صلوات العيد والليالي الدينية والمراسم التي تقام في القصر الملكي. وتجمع هذه المناسبات بين التراتبية السياسية والبروتوكول الديني في ترتيبات دقيقة ظلت، حتى الآن، مقتصرة عملياً على الرجال في المواقع السياسية العليا.
وتطرح هنا إشكالية تتعلق بموقع رئيسة الحكومة أثناء الصلاة الجماعية، حيث لا يصطف الرجال والنساء في صفوف مختلطة خلال الصلاة، كما تخصص المساجد المغربية عادة فضاءات منفصلة للنساء. وبالتالي، فإن رئيسة الحكومة لن تستطيع ببساطة أن تشغل أثناء الصلاة المكان نفسه الذي يشغله رؤساء الحكومات الرجال بالقرب من الملك. فمن جهة، يفرض موقعها السياسي وجودها في الصف الأول من التراتبية الرسمية، ومن جهة أخرى، يفرض تنظيم الصلاة وجودها في فضاء مخصص للنساء.
ويؤكد باحثون إن المسألة قد تثير «مشكلاً حقيقياً على المستويين البروتوكولي والديني»، حيث إن الإشكال لا يتعلق بقدرة المرأة على تولي رئاسة الحكومة أو حتى حضور المراسم الدينية، وإنما بكيفية الحفاظ على مكانتها المؤسساتية داخل طقس ديني لا يصطف فيه الرجال والنساء جنباً إلى جنب.
لكن الباحث السياسي محمد طوزي ينظر إلى المسألة من زاوية مؤسساتية أكثر منها فقهية، مشيراً إلى أن المغرب سبق له أن عدّل بعض أعرافه وممارساته عندما فرضت التحولات السياسية والاجتماعية ذلك، مستشهداً بفتح مهنة العدول أمام النساء، وبمؤسسة المرشدات، وبمشاركة النساء في بعض الدروس الحسنية التي تلقى أمام الملك والعلماء وكبار المسؤولين. ويقول طوزي: «إذا كنا قد فعلنا ذلك، فيمكننا أن نفعل الباقي»، معتبراً أن البروتوكول قادر على إيجاد «ترتيب تقني» لهذه المسألة.
نظريا، قد يكون الحل بسيطاً: الاعتراف الكامل لرئيسة الحكومة بمكانتها في جميع المراسم الرسمية، مع اعتماد ترتيب خاص أثناء الصلاة يتيح لها أداءها في الفضاء المخصص للنساء، قبل أن تعود مباشرة إلى موقعها البروتوكولي بعد انتهاء الصلاة.
لكن مثل هذا الترتيب سيكون سابقة في تاريخ الدولة المغربية، وسيجبر القصر، للمرة الأولى على هذا المستوى من المسؤولية، على الفصل بين التراتبية السياسية داخل الدولة والموقع الذي تفرضه قواعد الصلاة داخل المسجد، تختتم «جون أفريك».
- الضفة.. إصابة فلسطينيين برصاص إسرائيلي خلال اقتحام قلقيلية
- السجن 15 سنة للمنتج السابق هارفي واينستين بتهمة الاعتداء الجنسي
- دعوات متزايدة لاعتقال “مجرم الحرب المتعطش للدماء” نتنياهو مع وصوله إلى نيويورك
- اتفاق تركي عراقي على تسليم تدريجي لمعسكر بعشيقة إلى بغداد
- المغرب… 38.02% نسبة المشاركة بالانتخابات البرلمانية


















0 تعليق