فلسطين في الشعر المغربي… معرج الأنات وباب النصر

منذ 56 دقيقة

يستطيع قارئ ديوان الشعر العربي الحديث أن يتبين كيف أن جرح فلسطين ظل يجري نازفا بين صفحاته، فلم تقدح قضية قومية قرائح الشعراء المغاربة وتلهم ثمرات خيالهم وفنهم، كما فعلت مأساة القضية الفلسطينية. لقد كانت فلسطين بثقلها التاريخي والديني وأيقوناتها الرمزية، تحضر في نصوصهم الشعرية، ولم تفارق وجدانهم في كل تاريخها الحديث، لا سيما بعد وعد بلفور المشؤوم وقرار التقسيم، ثم هزيمتي 1948 و1967 وما تلاهما من انتكاسات جذرية وآلام باهظة لم تنقطع إلى اليوم؛ فظلوا يتغنون بها وبحاضرتها القدس على نحو يشف عن أصالة وعيهم الديني والقومي وموقفهم الصريح منها.
وعلى اختلاف اتجاهاتهم الفكرية وأساليبهم في الكتابة الشعرية التي شهدها الشعر المغربي من جهة، أو النظرة الخاصة بكل منهم إلى أسباب الهزيمة، بقيت عاطفة الشاعر المغربي الحديث تنبض بصدق الموقف وانحيازه إلى عدالة القضية. بل إن القضية نفسها كانت تمثل، في حقيقة الأمر، ما يشبه «ترمومتر» الوعي عندهم، أو الخيال السياسي الذي لازمهم وعبروا عنه. وقد بحث عباس الجراري في مثل هذا التأثير خلال المرحلتين؛ قبل الهزيمة وبعدها، مستخلصا أن الشعراء من خلال إيمانهم تفاؤلهم بالقضية، أنتجوا صورا بالغة الأثر كانت تتطور وفق تعبيرهم التصويري، وإن كان هذا التعبير، في الغالب، «يكتفي بتحريك المشاعر والتأثير على الأحاسيس»، بيد أنه تطور مع تطور صيغ التعبير الشعري، ومع تداعيات القضية نفسها خلال العقود الأخيرة.

عقيدة تعبيرية

ساهم انفتاح حركة الشعر المغربي الإحيائي على نظيره المشرقي الذي كانت تصل أصداؤه إلى المغرب، في ازدياد الشعور القومي والوعي بالمصير المشترك لمواجهة السياسة الاستعمارية، وفتح عيون شعرائه على ما يجري في فلسطين من أحداث مريعة أخذت تترى بعد وعد بلفور المشؤوم، الذي كان يستهدف «تهويد فلسطين». صور وآثار أليمة كان يستدعيها الشعراء المغاربة؛ من أمثال: عبد الله كنون، ومحمد الوديع الآسفي، ومصطفى المعداوي، وعلال الفاسي، ومحمد المهدي العلوي، ومحمد الحلوي، وعبد القادر السحيمي، وعبد الرحمن الدكالي وغيرهم، والتي لم يكن تمثيلها في قصائدها يخلو من الحماسة و»الهتافية» الخطابية، بسبب اعتماده على صدق العاطفة والانفعال، بل على الوعظ. إلا أن كل ذلك أمسى يعكس المخاض النفسي الذي يموج بألوان الغضب والأسى والحيرة، فلم يجد الشاعر بُدا من الدعوة إلى تجاوز الهزيمة واستنهاض الهمم، وبعث الحمية الدينية في النفوس، بل إلى الجهاد في سبيل نصرة فلسطين وتحريرها من الصهاينة الغاصبين، مشيدا بنضالات الفدائيين من أبنائها.

وكان الشاعر محمد الحلوي (1922- 2004) امتدادا لهذه الحقبة، غير أنهُ طورها من الناحية الفنية على الرغم من التزامه بنظام الشطرين، وهذا ما انعكس على طريقة تدبيره الجمالي للموضوع الفلسطيني، الذي بقي يترددُ في كل مراحل تجربته الشعرية، ويتلبسُ الأغراض التي نظم فيها (الدينيات، الوطنيات، القوميات..) إلى درجة أن يتحول الموضوع عنده إلى جُرْحٍ شخصي، مُترجحا بين نبرة الشعور بالغُصة والأسى والحنق على العجز العربي بعد هزيمة حزيران/ يونيو التي هزتْ كيانه واعتبرها بمثابة شؤم وعار، ونبرة التغني والتفاؤل والإيمان بعدالة الحق رغم اشتداد الآلام.
في قصائده الفلسطينية، ثمة خيال سياسي واعٍ بالملابسات التي قادت إلى المأساة (الفرقة وشتات الشمل، الخلاف المذهبي والأيديولوجي، الإعراض عن درس التاريخ والاعتبار به، التآمر الإمبريالي الغربي، غلبة الأهواء، الوعيد والاحتجاج بالقول بديلا عن الفعل..)، بل يشف عن موقف قومي وإنساني مؤمن بالنصر القريب، رغم الخلافات التي تنخر جسد الأمة وتذهب بكلمتها في كل وادٍ، ورغم المآسي والجراح التي «أعيا الأساةَ علاجُها».

غضب واستبصار

بعد هزيمة يونيو 1967، وما أرخته تداعياتها المُدمرة من سحب الشك واللايقين على خطاب الأنتلجنسيا العربية، بموازاة مع بروز جيل شعري ذي كفاءة جماعية، غاضب وساخط من الأوضاع السياسية والاجتماعية في بلده، ومتفاعل مع التغيير الاجتماعي المنشود، حسب الانتماء السياسي والتكوين الفكري لشعرائه، تحت تأثير الأيديولوجيا العلمانية، سوف يأخذ الموضوع الفلسطيني في الشعر المغربي مظهرا آخر مُغايِرا لما سبق في لهجته ورؤيته الفنية، يكتسي أبعادا ثورية في الغالب، ويترافق مع الانحياز إلى تعبير حداثي عن القضية بما هي قضية وجود، خارج ترسيمات البلاغة التقليدية، وقد انفتح هؤلاء الشعراء من جيلي الستينيات والسبعينيات على حركة الشعر الحر واستحقاقاتها التعبيرية في المشرق، وعلى شعراء الموقف السياسي الالتزامي ذي الاتجاه القومي (عبد الوهاب البياتي، أحمد عبد المعطي حجازي، خليل حاوي، محمد الفيتوري..) أو ذي النزعة التحررية الأممية (لوركا، أراغون، ناظم حكمت، بابلو نيرودا..) من جهة، وعلى شعراء الأرض المحتلة (إبراهيم طوقان، علي هاشم رشيد، محمود درويش، توفيق زياد، معين بسيسو، أحمد دحبور، سميح القاسم..) من جهة ثانية.
لم يكن هؤلاء الشعراء على قلب اتجاه واحد؛ بل يمكن أن نُميز على الأقل بين ثلاثة اتجاهات كانت تتباين في تعاطيها مع الموضوع الفلسطيني في سياق أطروحة الالتزام والتعبير عن مأساة الذات داخل همومها الوطنية والقومية: الاتجاه الرمزي ذي الإيحاء الصوفي (عبد الكريم الطبال، أحمد بلحاج آية وارهام، أمينة المريني..)، والاتجاه الواقعي بمرجعيه الثوري (محمد الحبيب الفرقاني، محمد بن دفعة، محمد علي الهواري، عبد الرفيع الجواهري..)، والوجودي (أحمد المجاطي، عبد الله راجع، محمد الأشعري..)، ثم الاتجاه الإسلامي الذي توسل بقصص التراث الديني وأقنعته الموحية (محمد علي الرباوي، حسن الأمراني، إسماعيل زويريق..). لكن على اختلاف رؤاهم وتباين أساليبهم الشعرية، نلمس في قصائدهم أثناء التعبير عن القضية الفلسطينية انفتاحا كبيرا على مشكلات الإنسان، وخلالها يتراءى البعد المأساوي لذات مُفكرة، بل «ميؤوس منها» أحيانا، تستغرقها معاني الحزن وتبحث عن سبل متاحة للتضحية والنضال، لأنها تريد أن تتمسك بما تحلم به وتنشد تغييره، فما يربطها بالقضية يقع ضمن حلمها الجماعي من أجل الحرية المفتقدة في وطن مضطهد.
تأتي قصيدة «القدس» لأحمد المجاطي في طليعة نصوص هذه الحقبة، فقد ارتفعت في رؤيتها إلى القضية باعتبارها قضية وجود ترخي بظلالها على الواقع العربي، وخلال تتخفف ذات الشاعر في التعبير عنها من مؤونة الصور المسكوكة التي كانت تُسطح وعي معظم الشعراء السابقين وتُوقِع صورهم في شرك الهتاف الخطابي والبكائية الصارخة. نقرأ في مطلعها: «رايتُكِ تَدفنينَ الريحَ/ تحت عرائشِ العتمهْ/ وتلتحفين صمتكِ/ خلف أعمدةِ الشبابيكِ/ تصبين القبورَ/ وتشربينَ/ فتظمأ الأحقابْ/ ويظمأ كل ما عتقتِ/ من سُحبٍ ومن أكوابْ/ ظمئنا/ والردى فيكِ/ فأين نموتُ يا عمهْ؟».
داخل هذه المشهدية الرمزية ذات الإيحاء الحِدادي، والتي لا تخلو من تظليل ميثولوجي وديني، يجري تشخيص القدس كامرأة صبور، في حالة عطش دائم، مستسلمة لقدرها التراجيدي، تدفن أبناءها الشهداء الذين قضوا في سبيلها من أجل الحُرية والخلاص، وتشمخ بوجهها الأجدب في الزمن العربي، الذي يعج بألوان الخيانة والبؤس والصمت والخنوع لإرادة الأعداء. وصفها بـ»العمة» كناية عن قرابة روحية ونسب انتمائي بين القدس، والشاعر الذي يعدم الحيلة من أجلها في الحاضر، وهي «المبتغى الأصعب». فالقصيدة تُمثل في الصميم استحالة الفعل في ظل العجز واختلال موازين القوى، بقدر ما تُمثل دليل إدانة للعقل الذي قاد إلى الهزيمة، ولخطابه المشبع بعمى الخطَب والرموز، الذي قعد عن التغيير واكتفى بالإجماع الكاذب.
بلغته المتشبعة بروح الرائي، بقي عبد الكريم الطبال يصغي لآلام فلسطين ويستبصر ما تتمخض عنه من بذل ومعاناة، منذ قصيدته «كلمات إلى درويش»، إلى قصيدة «القدس» التي يقول في مطلعها:
«القدسُ شجرةُ الزيتون/ زَيْتُــها يضيءُ/ دون نارْ/ القدسُ جبلٌ يخر صعقا لله/ القدس بُراقٌ في السماء لا يغيب».
يرفع الشاعر القدس عن طريق المشابهة إلى مقام قرآني رفيع، فهي تتعالى على الآلام وتصنع من عناصر ابتلائها طاقةَ إِشْراقٍ خلاقة ومُتجددة ترمز إلى المطلق، وتطفح بمعاني العرفان والتجدد والعذرية، ولكن الشاعر يُحب أن يتذلل لله ويُظْهر خشية الخاضع العارف بحكمة ربهِ: «يا ربنا حديقة السماء تُسْتباح».
وفي السياق نفسه، يستثمر أحمد بلحاج آية وارهام لغة الانزياح للنفاذ إلى جوهر الموضوع، عن طريق أسلوب التمنى الذي يفيد شوق الشاعر إلى التضحية من أجل القدس والدفاع عنها، بعد أن حالت بينه وبين وصالها مقاطعاتُ العم سام. لكن رغم هذا العجز أو الإحباط الذي يحز في نفسه، يؤمن بجبروت القدس ووعيدها الذي من عِلْم الله، فلا يُهْمِل غاصبيه إذا أتى أتِيهُ، كما في قصيدة «اشتعلي مَوْجَةٌ قَاصِمَهْ»..
«لو يديِ ملَكتْ نارَها/ لو دَمي جبَلٌ/ لو خُطايَ بُروقٌ/ لكنتُ إلى القدسِ/ سُورا/ وتُرْسا/ وكنتُ لها سَكَنا/ غير أني هنا/ في ثَرى/ ليس يَنبُتُ فيهِ/ سوى عَلَمِ العَم سامٍ/ لهْ تسجدُ الظلمةُ الحاكمَهْ/ فوق جِلْدِكِ يا قُدسُ/ فاشتعلي تحت أقدامهمْ/ مَوجة قاصِمَهْ».
وفي شعر محمد علي الرباوي ظلتْ فلسطين تسكن ذاته ويعتبر ما كتبه عنها قصائد ذاتية، منذ قصيدته «هل تتكلم لغة فلسطين» 1970 إلى اليوم كما في قصائده «القتلة» و»السلاح» و»المذيع» و»النجدة» و»الحجارة». وفي آخر قصائده المعنونة بـ»كان حتى كان»، وظف شكل الحكاية الأليغورية، التي تستثمر لهجة الموروث الشعبي المغربي وتتناص مع الرمز القرآني- الصوفي:
«كانْ/ يا احْبابي حتى كانْ/ كان اللهُ في قَلْبِ الإِنْسانْ/ حتى كان الحَبَقُ الازْرَقُ والسوسانْ/ في حِجْرِ مُحمدْ/ سَيدِ عَدْنَانْ/ حتى كانْ المُقْعَدْ/ يَنْقِزُ هَذي الحِيطانْ/ عَل القُدْسَ تَصيرُ مع الليْلِ الطالِعِ/ مِنْ مُنْعَرجاتِ القَلْبِ الظمْآنْ».
فالشاعر يسلك سبيل الرؤيا التي تبحر به في جوف الليل، مُتعاليا على نواقصه الآدمية وعلى حدود الجغرافيا، ومُتوشحا بِآيِ الله التي تضيء له الطريق إلى القدس، باعتبارها طريقا لتحرير الإنسان من الخوف والتسلط والقتل ومن نوازع الحيوان، وللبحث عن الحقيقة «في أعماق الإنسان الحيران» على نحو ما توحيه به الغرغرة تحت الأعماق:
«يا أَحْبابي/ اِنْطَفَاتْ نارُ حِكايَتي الآنْ/ راحَتْ جَمْرَتُها مِنْ وادٍ/ في هَذي الْارْضِ إلى وَادْ/ وأنا ما زِلْتُ بِهَذا العَالَمِ/ أَبْحَثُ فيه عن الاجْوَادْ/ وَادْ../ وَادْ../ وَادْ..».
ما زال الموضوع الفلسطيني إلى اليوم حاضرا في الشعر المغربي، غير أنه على صعيد الخطاب طرأ عليه تغيير واضح، بعد أن خفت المدلول لصالح الدال، وتراجع التوظيف الشعاري – الأيديولوجي، أو لغة الهتاف والتبشير لصالح الاهتمام بصيغ تمثيل الموضوع جماليا؛ لم يعد يهم «ما يقول»، بل «كيف يقول» كما في نصوص الإيحاء العرفاني والمبادرات التجريبية للشكل الفني، مرتفعا في نظره إلى القضية باعتبارها قضية إنسانية في المقام الأول، تستلزم أفقا جديدا للتفكير لا يكون عبئا عليها، بل شرط وجود ومقاومة في معناها الجمالي والأخلاقي.

✎

فريق تحرير المصطبة نيوز

فريق التحرير في المصطبة نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق