نحو ملكية وطنية للوساطة في السودان

منذ 48 دقيقة

في مقالنا السابق، عرّفنا «المبادرة السودانية لوقف الحرب وبناء السلام» بأنهم مجموعة من الشباب السودانيين الفاعلين في غرف الطوارئ ولجان المقاومة والتنظيمات القاعدية، المؤمنين بمبادئ ثورة ديسمبر/كانون الأول 2018، والساعين عبر الحوار مع مختلف الفاعلين المدنيين والعسكريين السودانيين من أجل العمل الجاد لوقف الحرب وبناء السلام والوصول إلى مصالحة وطنية عبر خلق نموذج سوداني للعدالة الانتقالية يقضي على ظاهرة الإفلات من العقاب، ونظام تنأى فيه المؤسسة العسكرية عن العمل السياسي والاقتصاد، وتخضع لعملية إصلاح حقيقي تمكن من القضاء على ظاهرة تعدد الجيوش والميليشيات والوصول لبناء جيش قومي مهني موحد، مما يمهد لبناء دولة مدنية ديمقراطية عادلة ذات سيادة. وانطلاقا من قناعتها بأن جهود الوساطة في السودان تعاني من أزمة بنيوية لا تقتصر على تعنت الأطراف المتحاربة، بل تمتد إلى اختلال في بيئة الوساطة ذاتها، حيث تحولت المنابر التفاوضية من أدوات لإنهاء القتال إلى ساحات لتنافس الفاعلين الخارجيين، مما أدى إلى عزل المسارات العسكرية عن أبعادها السياسية والاجتماعية، ومنح أطراف الصراع مساحات للمناورة والهروب من استحقاقات السلام الشامل، تنادي «المبادرة» بضرورة استكشاف واختبار مدى نجاعة مسارات بديلة للوساطة، وتقترح منبرا هجينا يتبنى مفهوم الملكية الوطنية لإدارة عمليات الوساطة بقيادة سودانية تقوم بإعادة تعريف وضبط الجهود الدولية.
تعرّف «المبادرة السودانية لوقف الحرب وبناء السلام» المنبر الهجين بأنه إطار تفاوضي يقوم على توزيع واضح للأدوار بين مستويين متكاملين: مستوى سوداني يملك سلطة تحديد الأجندة وتصميم العملية وصياغة مخرجاتها، ومستوى دولي محدود الصلاحيات يقتصر دوره على التيسير اللوجستي وتوفير أدوات الضغط لوقف القتال ورعاية الضمانات التنفيذية. ويتميز هذا النموذج عن مسارات الوساطة الدولية السابقة بأنه جعل تحديد الأجندة واختيار المشاركين حكراً على السودانيين فقط، ويلزم الوسيط الدولي بالتركيز والانخراط عمليا في الضغط على الدول الممولة الحرب لا في إدارة الحوار، ويدمج الشرعية القاعدية السودانية بالموارد اللوجستية للمنظمات الدولية متعددة الأطراف. والمنبر الهجين، في نظر «المبادرة»، يجب ألا ينبثق من شخصيات وطنية تعمل بصفتها الفردية، بل من ائتلاف منصات سودانية تجمعها التزامات صريحة بوقف الحرب ورفض الاحتكام إلى السلاح وإرساء العدالة الانتقالية وعدالة توزيع الموارد. ويشمل هذا الائتلاف منظمات المجتمع المدني والمبادرات الشبابية والنسوية والإدارات الأهلية والطرق الصوفية والكنائس وتجمعات التعدين الأهلي والرعاة والمزارعين وتنسيقيات النازحين ولجان الأحياء. أما القوى السياسية المدنية فتشارك في المنبر الهجين بوصفها أطرافاً مفاوضة ومتحاورة، لا قائدة، إذ إن انخراطها المباشر في الصراع يجعلها بحاجة إلى وسيط يقودها نحو التوافقات.

 فتح الممرات الإنسانية ووقف الاستهداف الممنهج للمدنيين وتمكين عودة النازحين

وتقترح «المبادرة» أن يتأسس المنبر الهجين على معادلة من ثلاثة مستويات متتابعة: المستوى القاعدي الذي يمثل مصدر الشرعية عبر غرف الطوارئ وتنسيقيات النازحين والتجمعات النسوية والشبابية، ويحدد أولوياته عبر مشاورات مجتمعية موسعة. والمستوى التخصصي الذي يستبدل مبدأ التمثيل بالانتماء بمبدأ التمثيل بالتخصص، فيُختار المشاركون بناءً على خبراتهم في القضايا المطروحة لا على هوياتهم الإثنية. والمستوى السياسي الذي تشارك فيه جميع القوى المدنية دون استثناء مع الفصل الصريح بين الحوار وتوزيع السلطة. والثابت دائما هو مبدأ عدم الإقصاء والشمول لجميع المكونات السياسية، بما في ذلك التيارات الإسلامية المختلفة، بوصفه حكماً إجرائياً لا مبدأً تفاوضياً، مع استثناء من ثبت تورطه في جرائم ضد الوطن والمواطنين. وتشدد «المبادرة» على أن المنبر الهجين يجب أن يتجنب إغراء الشمولية الكاملة وفخ التضييق الإجرائي، وذلك بتقيده والتزامه بثلاثة مسارات: المسار الإنساني الطارئ كأولوية مطلقة وأسبق زمنياً، ويشمل فتح الممرات الإنسانية ووقف الاستهداف الممنهج للمدنيين وتمكين عودة النازحين. مسار وقف العدائيات، وأساسه إعلان مبادئ يصدر أولاً عن القوى السياسية السودانية ثم يُعرض على الأطراف المتحاربة، لا العكس. ويعالج هذا المسار صراحة وقف الدعم الخارجي باعتباره شرطاً بنيوياً للهدنة، لأن الهدنة التي لا تُلزم الداعمين الخارجيين بوقف إمداد السلاح، سرعان ما تنهار. مسار العملية السياسية والانتقال، وهو مسار سوداني خالص، يبدأ بعد وقف العدائيات، ويشمل تصميم المرحلة الانتقالية والعدالة الانتقالية ومؤتمرات رتق النسيج الاجتماعي والقضايا الاقتصادية البنيوية. أما القضايا التأسيسية، كعلاقة الدين بالدولة وطبيعة نظام الحكم، فترى «المبادرة» عدم طرحها في منبر الوساطة لأنها مسائل دستورية تتطلب عقداً اجتماعياً واسعاً. والمسارات الثلاثة تعمل وفق تسلسل صارم يمنع تداخلها: بناء الكتلة السودانية عبر مشاورات قاعدية موسعة قبل التفاوض الرسمي؛ ثم تفعيل المسارين الإنساني والأمني بتفويض سوداني ودعم دولي مع فصل صارم بين التفاوض الأمني والمسار السياسي؛ وأخيراً الانتقال الكامل للملكية إلى السودانيين بعد تثبيت وقف إطلاق النار.
والمنبر الهجين، بحسب إقتراح «المبادرة»، لا تكمن جدواه في كونه بديلاً للمنابر الدولية، بل في قدرته على استعادة الملكية الوطنية للقرار، وتميزه بإمكانية تفاديه لنمط انهيار الاتفاقيات السابقة عبر ربط شرعيته بشرطين: الشرعية القاعدية، وتشكل الرافعة السياسية الأهم، إذ يصبح لصوت السودانيين وزن ثقيل يصعب تجاهله، وأن اتفاقاً لم تشكله القواعد المجتمعية لن يحظى بالزخم الشعبي اللازم لتطبيقه. أما الشرط الثاني فتمثله المنظمات الدولية متعددة الأطراف عبر الضغط الدبلوماسي والاقتصادي وتمويل عمليات المراقبة وتقديم ضمانات التطبيق. وتشترط «المبادرة» في الوسيط الخارجي أن يكون مقبولاً من الأطراف كافة، ولا يدعم أيا من أطراف الصراع، وأن يمتلك قدرة فعلية على الضغط على ممولي الحرب، على أن ينحصر دوره في تيسير العملية ومراقبة سيرها وضمان تنفيذ مخرجاتها. وتنظر «المبادرة» إلى الوساطة كأداة لمشروع سياسي عادل لا مجرد عملية فنية لتقسيم السلطة بين النخب. وأن نجاح المنبر الهجين يتوقف على تجاوز انقسامات الكتل المدنية والسياسية، وإرساء مبادئ الحوار والشمول وتقديم المصلحة الوطنية على الخصومات، والتوافق حول تحجيم التدويل الكثيف، والاتجاه نحو الشرعية القاعدية كبديل للشرعية الدولية.

كاتب سوداني

✎

فريق تحرير المصطبة نيوز

فريق التحرير في المصطبة نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق