الطاهر الطويل
الرباط ـ «القدس العربي»: أثار تقرير «للمجلس الوطني لحقوق الإنسان» في المغرب، تحدّث عن «توظيف الدين» في الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية الأخيرة، سجالاً في منصّات التواصل الاجتماعي.
فقد اعتبر أن الحملة الانتخابية شهدت ما أسماه «استغلال الدين والرموز الدينية» في الخطاب الديني من لدن بعض المرشحين. وأضاف التقرير الذي اطّلعت عليه «القدس العربي» أن الملاحظين الذين انتدبهم «المجلس» لمراقبة الانتخابات سجّلوا 44 حالة اعتُبرت أنها تتضمن توظيفًا للرموز الدينية في الحملة الانتخابية، فيما سجّلت ستّ حالات لوحظ فيها عمل من أعمال الحملة الانتخابية في مكان للعبادة.
أما في الفضاء الرقمي، فقد جرى ـ وفق المصدر نفسه ـ رصد أكثر من 2030 محتوى لاستخدام الدين في الخطاب الانتخابي، من بينها فيديوهات تتهم أحزاباً سياسية بكونها أحزاباً «ضد الإسلام» أو «تحارب الإسلام»، صادرة عن منخرطين في حملات انتخابية، تربط التصويت لأحزاب سياسية بـ «المحاسبة أمام الله». كما جرى رصد محتويات تفيد توزيع أموال داخل مسجد، أو استعمال مكبر صوت مسجد للدعوة لتجمع انتخابي، وتصوير مرشحين بالزوايا. ورصد المجلس أيضاً محتويات تروّج للتصويت لحزب سياسي على اعتبار أنه «الأقل ضرراً على الدين».
واستحضر تقرير «المجلس الوطني لحقوق الإنسان» القرار الذي اتخذته «الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري» والقاضي بتوقيف بث برنامج إذاعي لمدة شهر، لما تضمنه، وفقًا لحيثيات القرار، من ربط للتصويت باحترام الدين وخدمته وعدم الطعن فيه.
وشكّل التقرير موضوع انتقاد حاد من لدن خالد الصمدي، القيادي في حزب «العدالة والتنمية» والوزير السابق، التقرير المذكور، إذ كتب في حسابه على «فيسبوك»: «كنت أنتظر من الأمينة العامة للمجلس الوطني لحقوق الإنسان الأستاذة الحقوقية أمينة بوعياش، وهي تقدّم تقرير مؤسستها عن الظروف التي جرت فيها الانتخابات في المغرب أن تنحاز إلى مقتضيات دستور المملكة، وتوجيهات ملك البلاد التي دعا فيها المواطنين إلى التحلي بالأمانة والنزاهة في الإدلاء بأصواتهم، وتبعه في ذلك عدد من الفاعلين السياسيين والتربويين والدينيين… فإذا بها تعتبر هذه الدعوة إلى النزاهة والأمانة والاستقامة استغلالاً للدين وللرموز الدينية في الحملة الانتخابية».
وتابع: «كان يُتوقع ممن تحمّلت مسؤوليتها بموجب تكليف ملكي، وفي إطار دستور المملكة، أن تركز على الخروقات التي ضبطها مواطنون شرفاء (خلال الانتخابات)، وفتحت بشأنها تحقيقات، لا أن تلقي بها وبالمؤسسة التي تدبرها في هذه المنزلقات».
وفي تدوينة أخرى، كتب خالد الصمدي: «لو سمع بعض الموتورين وهم يمرون أمام مسجد فقيهاً يتلو عبر مكبر الصوت قوله تعالى: (الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة…) لأخذهم الخوف وصرخوا عالياً أن أوقفوه عند حده وجردوه من مهمته، لأنه يخلط الدين بالسياسة، ويستغل المسجد لأغراض سياسية».
وأضاف قائلاً: «إذا بدأ هذا الداء وفتح هذا الباب لعزل الدين عن الحياة العامة، فتوقّعوا لا قدر الله أنه سيأتي زمان يطالب فيه بعض الفاعلين وبعض المؤسسات بحذف آيات من القرآن الكريم تتحدث عن قضايا وتشريعات مالية وحقوقية واقتصادية وصحية وبيئية واجتماعية، أو تدعو إلى الصدق والأمانة والتقوى وغيرها من الأحكام والمفاهيم، لأن هذه المجالات هي سياسات عمومية لا علاقة لها ـ في نظر هؤلاء – بالدين وقيمه وأحكامه، وتلكم المفاهيم تنتمي إلى الحقل الديني وليس إلى الحقل الدنيوي، وأن الدين ينبغي أن يظل شأنًا خاصًا معزولاً بين العبد وربه، وأن هذه المجالات التي تهمّ الحياة العامة ينبغي أن تبقى بعيدة عنه، وأن يتحوّل الدين إلى مجرد قناعات فردية يمكن في أقصى الأحوال أن تتجسد في كهانة تعبدية داخل فضاء محدود هو المسجد أو الفضاء الخاص».
وكتب الناقد مصطفى الطالب تدوينة بالعامّية المغربية، تساءل فيها ردًا على ما جاء في تقرير «المجلس الوطني لحقوق الإنسان»: «هل هذا كلام منطقي ودستوري؟ هل نحن في فرنسا، أم في بلد علماني؟ أم إن الأمر يتعلق بخطاب مترجم من الفرنسية إلى العربية؟ أم إننا لسنا مسلمين في هذا البلد؟»، وتابع: «لم أفهم بصراحة. فالدستور يمنع تأسيس حزب على أساس عرقي أو ديني، وهذا أمر واضح، لكنه في الوقت نفسه ينص على أن الإسلام دين الدولة، وهو دين المغاربة جميعًا. والكل يتحدث في الحياة العامة من هذا المنطلق، بمختلف توجهاته وحساسياته السياسية والفكرية».
وأوضح أنه حتى النائبة البرلمانية اليسارية نبيلة منيب، حين تتحدث تستعمل عبارات من قبيل «على بركة الله»، وتتحدث عن القرآن، والأمر نفسه ينطبق على ممثلي أحزاب سياسية أخرى، على اختلاف مرجعياتهم وتوجهاتهم.
ودعا صاحب التدوينة إلى «احترام ذكاء المغاربة وهويتهم وثقافتهم، رغم اختلاف حساسياتهم وتوجهاتهم، والكف عن تكرار الأسطوانة نفسها»، مؤكدًا أن المطلوب تقديم خطاب نقدي، أو كلام معقول يستند إلى أساس دستوري وثقافي واجتماعي، ويأخذ بعين الاعتبار خصوصية المجتمع المغربي. أما استيراد خطابات جاهزة لا تنسجم بالضرورة مع السياق المغربي، فليس هو الطريق إلى بناء نقاش جدي وذي معنى.
في السياق ذاته، تساءل المدوّن أمين بوعدول: لماذا هذا «الرصد» انتقائي؟ مشيرًا إلى أن أمينة بوعياش، الأمينة العامة للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، رصدت الدين في الانتخابات، لكنها ـ وفق تعبيره ـ سكتت عن المال الانتخابي المشبوه، وعن صفقة «مدرسة القدس» في طنجة (التي ضُبطت فيها آلاف الأوراق المزورة، كما سكتت عن توظيف الرياضة والمشاهير في الحملات، وعن التغطية الإعلامية غير المتكافئة لصالح «التراكتور الأزرق» (الجرّار الأزرق)؛ في إشارة إلى رمز حزب «الأصالة والمعاصرة» الذي تصدر نتائج الانتخابات الأخيرة.
ويرى المدون هشام بن البهلول، في تدوينة ساخرة، أن «المسكينة» لم تقل عيبًا، وأكد أنه متفق مع قول المسؤولة الحقوقية إنه جرى استغلال الدين في الانتخابات، وفسّر ذلك قائلاً: «الليبرالية دين، والرأسمالية دين، والديمقراطية دين، والحداثة دين، والماركسية دين، والنسوية دين».


















0 تعليق