الجزائرـ “القدس العربي”: تُسجّل الجزائر في الأسابيع الأخيرة موجة غلاء في مواد واسعة الاستهلاك خاصة الخضر والفواكه واللحوم، دفعت وزير الداخلية في موقف غير معتاد للتصريح بوجود جهات تريد الإضرار بتوازن السوق، في وقت تسببت موجة الحرائق الأخيرة في أضرار كبيرة على بعض الشعب الفلاحية خاصة الدواجن.
وفي لقاء له مع ولاة ومسؤولين محليين، قال وزير الداخلية والجماعات المحلية الجزائري سعيد سعيود، إن الارتفاع المسجل في أسعار عدد من الخضر والفواكه الموسمية خلال الأسابيع الأخيرة “غير مقبول”، مستغربا وصول سعر الطماطم، في موسمها، إلى 200 دينار للكيلوغرام.
وأوضح الوزير، في تصريح له، أنه لم يشهد خلال 60 سنة من حياته أن تجاوز سعر الطماطم في موسمها 20 أو 30 دينارا للكيلوغرام، متسائلا عن الأسباب التي تقف وراء وصولها حاليا إلى عشرة أضعاف هذا السعر.
وقال إن الارتفاعات المسجلة التي وصفها بـ “الشرسة” لم تعد في متناول المواطنين، بما في ذلك أصحاب الدخل المتوسط، معتبرا أن بعض الممارسات المسجلة في السوق لا تنسجم مع ما ينبغي أن يكون عليه التعامل بين الجزائريين.
وشدد الوزير على أن “الجشع لا يبني دولة ولا ينهض بأمة”، مؤكدا أن الدولة ستتدخل للقيام بما يلزم عندما تخرج الأسعار عن نطاقها المعتاد أو تتعرض سلسلة الإمداد لاضطرابات بفعل ممارسات وصفها بأنها غير عادية.
وأكد في المقابل أن تدخل الدولة لا يستهدف الإضرار بالتاجر، قائلا إن الحكومة تريد للتاجر أن يحقق هامشا من الربح، وللفلاح أن تكون مردودية نشاطه وإنتاجه وافرة، وأن يحصل كل طرف في سلسلة الإنتاج والتوزيع على المقابل المناسب لعمله.
وأضاف أن الإشكال يطرح عندما “تخرج الأمور عن نطاقها العادي” أو تتغير سلسلة الإمداد بفعل فاعل، وهو ما يستدعي، حسبه، تدخل الدولة لرصد هذه الممارسات والتحكم فيما يتعين ضبطه على مستوى الأسواق.
وفي السياق ذاته، أشار الوزير إلى وجود بعض التفسيرات الطبيعية لارتفاع أسعار بعض المنتجات، مستشهدا بمنتوج اللحوم البيضاء وتأثر شعبة تربية الدواجن بارتفاع درجات الحرارة، خصوصا في المناطق الشرقية من البلاد، وما خلفته هذه الظروف المناخية من أضرار على المنتجين والمستهلكين.
غير أنه استبعد أن تكون العوامل المناخية تفسيرا كافيا للارتفاع المسجل في أسعار جميع الخضر الموسمية، متسائلا عن أسباب ارتفاع أسعار الطماطم والفلفل والباذنجان وغيرها من الخضر التي يفترض أن تكون متوفرة خلال هذه الفترة من السنة، خاصة أنها لا تحتاج إلى تجهيزات معقدة أو ظروف إنتاج استثنائية.
وأكد الوزير أن الأمر نفسه ينطبق على عدد من الفواكه الموسمية، داعيا إلى ضبط السوق عندما لا تكون الزيادات في الأسعار مبررة بعوامل مرتبطة بالإنتاج أو العرض والطلب.
ولا يقتصر ارتفاع الأسعار على الخضر والفواكه الموسمية، إذ تشهد أسواق الجزائر منذ أسابيع ندرة ملحوظة في الموز، تزامنت مع ارتفاع حاد في أسعاره، التي تجاوزت في بعض المناطق 2000 دينار للكيلوغرام، فيما تحدثت تقارير عن بلوغها نحو 2800 دينار في بعض نقاط البيع، في واحدة من أعلى المستويات المسجلة لهذه الفاكهة.
وترتبط اضطرابات السوق المتعلق بالموز، وفق تقارير محلية، بتراجع كميات الاستيراد وصعوبات النقل والتخزين، في حين سبق للسلطات أن اتخذت إجراءات ضد مستوردين بسبب مخالفات مرتبطة بهيكلة الأسعار.
وفي صورة أوسع لتطور الأسعار، قال الديوان الوطني للإحصاء في الجزائر في آخر تقرير له حول مؤشر الأسعار، إن أسعار الاستهلاك في الجزائر ما تزال أعلى بشكل واضح مما كانت عليه قبل عام، إذ ارتفع المؤشر العام الوطني بنسبة 6.73 بالمائة في تموز/يوليو 2026 مقارنة تموز/يوليو 2025، بينما بلغت الزيادة في العاصمة 7.2 بالمائة، وفق التقرير. وسجلت المواد الغذائية زيادة بنحو 6.9 بالمائة، وبلغت زيادة المنتجات الفلاحية الطازجة 13.2 بالمائة في العاصمة.
وتصدّر لحم الغنم هذه الزيادات بارتفاع بلغ 19.3 بالمائة، وبقي سعر الكيلوغرام في العاصمة عند 3000 دينار، وهو السعر نفسه المسجل في جوان. أما البطاطا فارتفعت أسعارها بنحو 43.7 بالمائة، وبلغ سعر الكيلوغرام من النوع الأبيض 98.4 دينارا، بزيادة 45.5 بالمائة عن السنة الماضية. وبخصوص المنتجات المصنّعة، بلغ ارتفاع الأسعار 9.5 بالمائة، فيما ارتفعت الخدمات بنسبة 1.4 بالمائة فقط.
وقفزت أسعار الخضر الطازجة بـ8.3 بالمائة، وأسعار البيض بـ12.4 بالمائة، وبلغ سعر البيضة الواحدة 16.6 دينارا. وقفز سعر الخس بنسبة 47 بالمائة إلى 225 دينارا للكيلوغرام. وشمل الارتفاع الشهري كذلك السجائر، إذ زاد سعر علبة مارلبورو بـ18.65 بالمائة ليبلغ 556.67 دينارا. في المقابل، عرف شهر تموز/يوليو انخفاضا في أسعار بعض المواد، إذ حيث تراجع سعر التفاح الأخضر بـ19.3 بالمائة، كما تراجعت أسعار السمك الطازج بـ11.9 بالمائة. ونزل سعر السردين إلى نحو 841 دينارا للكيلوغرام بانخفاض 16.9 بالمائة. ويُحسب المؤشر الوطني انطلاقا من أسعار تُرصد في 17 مدينة وقرية تمثل مختلف مناطق البلاد.
وفي موازاة تطور الأسعار، شهدت الأجور في الجزائر خلال السنوات الأخيرة زيادات متتالية، شملت خصوصا الحد الأدنى للأجر الوطني المضمون الذي ارتفع من 20 ألف دينار إلى 24 ألف دينار بداية من كانون الثاني/يناير 2026، إلى جانب زيادات في الأجور والرواتب والتقاعد أقرتها السلطات تدريجيا.
كما تكشف أحدث بيانات مسح الأجور المتاحة من الديوان الوطني للإحصاء أن متوسط الأجر الصافي بلغ 43.500 دينار في 2022، مع فارق بين القطاع العام، حيث بلغ 61.300 دينار، والقطاع الخاص، حيث بلغ 35.200 دينار. وتظل القدرة على الحفاظ على مستوى معيشي مستقر مرتبطة، بالنسبة للطبقة المتوسطة، بمستوى الأجور وتطور تكاليف الغذاء والسكن والنقل والخدمات، فضلا عن التفاوت في الدخول بين القطاعات والمهن.


















0 تعليق