
لا يمكن أن يكون المسرح سوى فضاء يتردد في أرجائه صدى المجتمع؛ كيان فنّي مفتوح على الواقع، لا ينفصل ما يقدّمه عمّا يشكل هموم الناس وتطلعاتهم البسيطة والمعقّدة. عند عتبة المسرح الجهوي في مدينتي الجنوبية «بشار» استوقفني استقبال المدير للجمهور؛ «الحياة تتطلب الكثير من الشجاعة»، قالها ببسمة حزينة ثم أردف: أحاول على الأقل أن أشكل جمهور المسرح.
الآيفون من التواصل إلى القطيعة
«اللعنة» مسرحية أدّتها فرقة محترفة من الشباب، من إنتاج المسرح الجهوي خريف 2026. تمّ عرضها في عدة مسارح وطنية: تيزي وزو، خميس مليانة، مستغانم وسعيدة. تتوغّل داخل نسيج العلاقة بين المجتمع وعناصره، والآيفون باعتباره وسيط تواصل جديد، تقنية يصعب على الباحث السوسيولوجي تصنيفها، هل هي نقمة أم نعمة على المجتمع؟ لم تعد التقنية فقط مساعدا للأفراد على تجاوز صعاب المعيش، ولكنّها أصبحت تحدّد طبيعة العلاقات التي تتشكل بينهم وفقا لغايات الاستعمال.
اشتغل بشير سالمي كاتب ومخرج وسينوغراف المسرحية، على نص يقترب من جروح المجتمع التي ربّما لا يتفطن إلى خطورتها إلا وهو يجني خساراته بسببها، ذلك ما تقوله «اللعنة» وهي تقدّم العلاقة بين رجل وامرأة منذ اللحظة الأولى لاجتماعهما تحت سقف الزوجية، إلى انفراط عرى نسجهما الحالم في مملكة اُعتقد أنّها للحب فقط.
يتأسّس الآيفون كحلم تترقب الزوجة يد زوجها وهي تحمله إليها، إلى أن يتحقق ويبدأ المسار نحو المشكلة، القطيعة التي تحدثها أصلا أداة للتواصل، ما يقترب من الأذن ويشتغل على اللسان يخرّب أحيانا نسيج الوجدان. تخرج الزوجة عن توافقات الحياة المشتركة لتبني حلما سرّيا أحاديا، تحقّق به انتشارها عبر مواقع التواصل، فتقدم محتوى يتطوّر من المطبخ إلى الجسد، من مجرّد التشاركية الاستهلاكية إلى استهلاك الجسد باعتباره عرضا للجمال، أو «أجمل متاح للاستهلاك» بتعبير جان بودريار، فتصبح وجها عاما لا يمتّ للخصوصية بشيء، فتنفجر النميمة بمفهوم أخلاقي، أي «تغيير مجرى الحدث»، حيث يتم تأويل العرض لصالح الغواية ويصبح القوام الجسماني الأنثوي المعلق على حياة خاصة، مجالا تداوليا لإشاعة الخبر؛ وصول خبر الزوجة إلى أذن الزوج، وهي اللحظة التي تبدأ فيها عملية افتراق المسارات، التي تتركها المسرحية مفتوحة.
الآيفون أداة السيطرة ووسواس اجتماعي

تطلب مقدّمة العرض من الجمهور ألاّ يستعمل الفلاش أثناء التصوير، تطفأ الأضواء إلاّ ضوء الخشبة، ثم تعتم هذه الأخيرة، يلف السواد المسرح، دائرة ضوء في خلفية الديكور تُظهر رأسا يصاحب المشهد، موسيقى يغلب عليها عزف العود، ثم يُظلم ثانية، يُسمع صوت ساكسفون، أربعة شخوص ترتدي السواد تحوم حول الخشبة، ضوء خافت ثم يرتسم ممرّ ضوئي تعبره امرأة، بقعة ضوء أحمر تجمع لقاء عاشقين، يتغيّر إيقاع الموسيقى إلى الطابع الصّحراوي. الديكور بسيط يتشكل بما يشبه ثلاثة هياكل لخزانات مستطيلة، جوانبها من قماش يسمح بمرور الضوء، تتحرك بسهولة لتعطي الانطباع بتغيّر الفضاء، ولكن يبدو لي أنّ بساطتها تعود إلى جعلها عنصرا يُخلي المكان لبروز عِظم المشكلة المطروحة.
تتوالى المشاهد الصّامتة مصحوبة بموسيقى عصرية خفيفة. مشهدُ حديثٍ يدور بين زوج وزوجته، تقريبا هما الشخصيتان الرّئيستان، وتُراوح حوارهما شخصية نزقية «شيطانية» تتحدّث من مستوى الصوت المرافق المفصول عن مسار الحوار المباشر بينهما؛ تتأسّس كما الوسواس الذي يزيّن للناس ما يسوؤهم. تنطلق من فم «الوسواس» كلمة ينفثها في نفس المرأة، تعتبر بؤرة العرض والإشكالية التي تؤطر رؤية المخرج: «التليفون يدّيك بعيد وين بغيتي، ماشي غير يفوّج عليك» (يأخذك الهاتف بعيدا أينما تحبّين، وليس فقط يجلّي همّك).
يصبح الآيفون أداة سيطرة على الناس، باعتباره قوة ناعمة تفتح للإنسان عوالم التواصل المختلفة والعلاقات المتعدّدة والمكانة الزئبقية التي تتغيّر وتتحوّل كلّما أمعن الإنسان في تشريع أبواب خصوصيته على أفق غير منضبط بالتعريف، إذ هو مجال متعدّد وغير ثابت لا مبدئيا ولا قيميا. تتوالى المشاهد في حركة انسيابية تتواصل فيها الفصول، ولا تقدّم فيها المسرحية سوى مكان واحد هو بيت الزوجية، الذي تحيطه كل مشاهد المسرحية، سواء الخارجية منها أو الداخلية، ليعكس بذلك مدى الأزمة التي تخلقها التقنية المفتوحة في واقع الناس المحدود والمضبوط بالخصوصية؛ تشير المسرحية إلى «الفضيحة» لا كمفهوم أخلاقي بل كتوظيف اجتماعي، حيث يتلقى المجتمع الإشاعة لتُتداول في مجاله كتكرار تلوكه الألسن باعتباره نقيصة تدمّر المخطئ؛ ليس هناك أي وضع للإشاعة بوصفها بنية سلبية للتحليل.
الممر الضوئي الذي انفتح به العرض، عبره الممثلون الرئيسيون في تقاطع حركي معاكس، تقريبا ينتهي بذلك العرض في اختلافِ مسارٍ بين الشخصيتين (الزوج والزوجة)، ولم تنغلق المسرحية على موقف محدّد يُفهم منه افتراق المسارات، بل تركت أفقا آخر ربّما للقراءة الجامعة بين المسارين، على أساس أنّ ما قد يؤدّي إلى الانفراد بالآيفون والخروج به إلى أفق التواصل الغيري المفتوح، قد يكون من أهمّ أسبابه انعدام التواصل الإنساني داخل حضن الأسرة، أو بمفهوم سوسيولوجي «الجماعة الاجتماعية»؛ غياب التواصل العاطفي، السياسي، الثقافي، يؤدي بالضرورة إلى التعويض عنه بطريقة أو بأخرى.
من الخشبة إلى الكواليس
ميّز العرض حركة جسدية مبالغا في اعتقادي، كوريغرافيا بدت لي جامحة أو جاءت كتعويض عن نقص ما، ربّما أدركه الكاتب نصا وحاول التغطية عليه عرضا، غطّى في بعض الأحيان على الحوار. لكن ما يمكن أن يبرّر ذلك حتى بالنسبة لي كمتلقٍ يفوق سنّا عناصر العرض الشبابي، هو أنّ أحلام الشباب وطموحاتهم في التأثير على الخشبة وفوقها تتوافق وفورة الحركة، فتكون الكوريغرافيا من أهم العوامل التي تحقق نشوة القفز فوق الخشبة نحو المستقبل.
بعد العرض وفي الكواليس التقيت مخرج وكاتب وسينوغراف «اللعنة» وتجاذبنا أطراف الحديث حول المسرحية وسياقها، وأول ما بادرته به هو ملاحظتي حول الإغراق في الجانب الكوريغرافي على حساب الجانب الدرامي، ففرّق بين التعبير بالجسد والكوريغرافيا، مبرّرا ذلك بما يتطلبه العرض من تعبير عن ضغوط يجب أن يتحرّر منها الفرد والمجتمع.
وحول سؤال عن الشّخوص المخيالية التي أنتجها نصا، هل توافقت مع شخوص الممثلين؟ أكدّ على أنّه عمل جهده على اختيار الشخصيات المناسبة لأداء الأدوار المسرحية التي تصوّرها متحرّكة على الركح. أما عن رمزية الهاتف، هل قصد فقط الجانب المادي التواصلي السلبي؟ أم كان في منظوره الهاتف الرمز باعتباره الأداة التي أخرجت الإنسان من أفق العالم الممتد إلى أفق العالم القرية؟ أجاب بأنّه يعتمد التكرار مع تغيير الحالة، أي أنّ كل مشهد للهاتف يسهّل وقوعه في الوعي قابل للتأويل.
كيف تابع بشير سالمي الكاتب والمخرج والسينوغراف العرض المسرحي، هل شعر بأنّ عمله انفلت من يده ليتجدّد على الخشبة؟ تجاوب مع السؤال وقال إنّه كان هناك انسجام بين الإخراج والسينوغرافيا، والعرض على الخشبة بالنسبة إليه هو ترجمة النص روحيا، معتبرا نفسه خارج النص، «لست أنا صاحب النص».
ضمن هذه الرؤية تدخل فكرة «المعاجة الدرامية»، فكل نص يحتاج إلى هذه الإوالية، لأنّها بمثابة التشذيب الدرامي لزوائد النص السردية أو الشعرية التي لا تتوافق ومنطق الكتابة المسرحية. أضاف الكاتب بأنّ هناك اتجاها يرفض معالجة النص دراميا، لأنّ فكرة العلاج توحي بمرضية النص. قلت له ولكن القياس هنا غير معتبر، لأنّ النص غير الجسد، صحّية هذا الأخير لا تستدعي التدخل الطبي، بينما صحية النص تستدعي التدخل الفنّي الواعي بمعيارية المجال الإبداعي حالة تحوّل النص إلى مادة متحرّكة.
كان الممثل الرّئيس يوبا عابرا فاغتنمت الفرصة لسؤاله حول ما إذا كان لديه فرق بين كونه ممثلا وممارسا للكوريغرافيا، أو التعبير الجسدي، أجاب بأنّه ليس هناك فرق، فقط حينما يتلقى المعنى من النص فإنّه يحاول أن يبلغ به مداه الروحي/المعنوي، هنا تدخّل الكاتب/المخرج ليؤكد أنّ ذلك يتم حسب توجيهه.
في الأخير قال المخرج الشاب بشير سالمي إنّ ورشة التحضير للعرض كانت عبارة عن «عمل مخبري يعتمد على البحث الجماعي والفردي» وليس مجرّد نقل لعناصر النص إلى الخشبة، حيث يصبح العرض فقط ممثلين وموسيقى وكوريغرافيا. البروفا بالنسبة إليه هي نقاش قبلي وبعدي، فردي وجماعي، خالية من أي مؤثرات، فقط «إضاءة مسطح الخشبة» أي الإضاءة العامة؛ لا إضاءة خاصة ولا موسيقى ولا كوريغرافيا. يرفض فكرة اللغة الوسطى ويستعمل اللغة القريبة من المتلقي. تحدّث بحميمية عن العرض معترفا بأنّه كان طيلة العرض متقمّصا لهويته الأساس كممثل، فقط لم يلعب معهم على الخشبة.
تخلّل عرض «اللعنة» عدّة مشاهد لصرخات قوية؛ لقد كانت التشخيص الملموس لحقيقة «اللعنة» واستمرارها في صدى المسرح باعتبار حلولها ثقلا أخلاقيا واجتماعيا وخللا نفسيا يحفر في عمق الذات الفردية والجماعية.
كاتب جزائري











0 تعليق