في الأعوام القليلة الماضية، تُذاع يوميًا في أخبار متفرِّقة، وفي بعض الأحيان متضاربة، أن محاولات تزويد الذكاء الاصطناعي بـ «وعي بشري» تجري على قدم وساق. وبينما يتم التوكيد على أنّ جميع تلك المحاولات لا تزال في المهد ولم يوضع نموذج لها، تتسرَّب يوميًا أخبار عن تزويد أجهزة الكمبيوتر بخلايا عصبية، وخاصة تلك التي تعنى بالحوسبة الكميَّة، وأيضًا استحداث عقل عضوي بشري لتزويدها به؛ ما يعني أنّ الهدف هو خلق آدميين روبوتيين. وما يغرق الأمر برمته في الغموض أن الروبوت الهيومانويد أصبح أكثر آدمية، ولكن بمواصفات خارقة، وكذلك صار له وعي متزايد ملحوظ، وهذا فقط في النسخ التجارية المتداولة بالمجان، ما يعني أنه ربما توجد نماذج أخرى غير مجانية ذات وعي أكبر، وكلَّما زاد السعر، أضحى نموذج الذكاء الاصطناعي أكثر وعيًا وقدرة. ولهذا أيضًا، لا يستبعد أبدًا أن يسوس الروبوت الهيومانويد الواعي، الإنسان غير القادر على مجاراة ما يتمتَّع به من مزايا.
حاول الخبراء في كل زمان الاهتمام بالآلة وما يمكن أن تفعله، دون الاهتمام بما يحدث للإنسان ومصيره في ظل هذا التطوُّر الهائل. وحتى كلَّما يحاول بعض الخبراء، مع كل ثورة صناعية جديدة أو نقلة تكنولوجية مذهلة، التركيز على الآثار السلبية للتقدُّم على الإنسان؛ لأنه يحصره في خانة ضيقة ويحرمه من الابتكار، وأيضًا يغلق أبواب العمل أمامه، تكون النتيجة أن القائمين على الأمور يمنعون تباحث الأمر مؤكِّدين أن قاطرة التطوُّر التكنولوجي لن تقف أبدًا من أجل مراعاة شعور البشر.
وفيما يبدو أن ذاك العرف المتَّبع قد انعكس على أدب الخيال العلمي، أو العكس؛ فمنذ أولى كتابات الخيال العلمي لم يعن أحدهم بمصير الإنسان، بل كان التركيز على الآلة. وأكبر دليل، رواية «فرانكشتاين» للروائية المذهلة «ماري شيللي»، وكذلك جميع روايات «جول فيرن» و»إتش جي ويلز»، وغيرهم الكثيرين في جميع العصور.
وفي خضم هذه الحقائق والتكهنات كلها، ومع عدم مراعاة مصير الآدمي الذي يصنع الآلة، ظهر روائي فريد في خمسينيات القرن العشرين كتب عن المستقبل، لكنه لم يُعنَ إلَّا بتقديم دراسة وافية عن مصير الإنسان في ظل هذا التطوُّر، وسبر أغوار حالته النفسية. فكان الكاتب الروائي والقاص الأمريكي «راي برادبوري» Ray Bradbury (1920-2012) كعادة كتَّاب الخيال العلمي، يحكي عن عالم المستقبل، لكن بأسلوب فلسفي يعنى ببحث الآثار الاجتماعية لهذا التطوُّر، وما سيسفر عنه من أضرار وسلبيات تحيط بإنسان العصر الحديث. ومن يقرأ ما كتبه «برادبوري» من روايات وقصص قصيرة سيصدمه أنه يتحدَّث عن الأمراض الاجتماعية التي أصابت إنسان العصر الحالي؛ من إغراق في وسائل الإعلام لدرجة الإدمان، وتحوُّلها من وسيلة تواصل ونشر معلومات إلى وسيلة إلهاء وتشتيت للعقل البشري. أضف إلى ذلك أنه ألقى الضوء على تفشِّي الأنانية والإغراق في الذَّاتية، وفرض قيودًا على حرِّية الإنسان وعمل رقابة صارمة على الكلمة الحُرَّة والأخبار المكتوبة. وأمَّا الكارثة التي كان يتحدَّث عنها فهي حرق الكتب وعدم استخدام الإنسان لعقله البشري، ما يفضي إلى تراجع القوى العقلية والقدرة على الابتكار والتطوير، في ظلّ الاعتماد المفرط على الآلة. ونتيجة حتمية لهذا، تتفسَّخ الأسرة، ثم الأمم، وهو ما يسفر عن تلاشي الهوية المميَّزة للمدن والدول والشعوب شيئًا فشيئًا، إلى أن تنمحي في نهاية المطاف.
ومن أبرز أعمال «راي برادبوري» التي تعكس الواقع الذي أصبحنا نعيش فيه حرفيًا وتستشرف مصير الإنسان، رواية «فهرنهايت 451» Fahrenheit 451 (1953) التي تعدّ من أشهر أعماله التي صنعت له شهرة عالمية واسعة وشكَّلت مصدر إلهام للعديد من الكتَّاب من بعده، ولا تزال العديد من أفلام السينما تقتبس من أفكاره. وتتمحور الرواية حول فكرة فلسفية تثير سؤالاً قد تبدو الإجابة عنه سهلة، لكنها شديدة العمق والتعقيد، ألا وهو: «هل سيشعر الفرد بالسعادة في ظلّ حياة لا توجد بها مشكلات وتتفشى فيها جميع وسائل الرفاهية؟» وللإجابة عنه، يصوغ «برادبوري» رواية تلقي الضوء على مجتمع المستقبل، وبالتحديد على أسرة ظاهريًا سعيدة لخلو حياتها من جميع المشكلات، علمًا أنَّ تلك الأسرة نموذج مصغَّر لكلّ المجتمع.
في ظلّ رؤية القائمين على ذاك المجتمع شديد التطوّر تكنولوجيًا، ومن أجل السعي الدؤوب لتحقيق أقصى درجات السعادة والرفاهية لجميع أفراده، حظرت الحكومة قراءة الكتب؛ لأنها تشغل العقل بتكوين آراء مناوئة لرؤيتها، وقد تُشعل حالة من الغضب والثورة تكون نتيجتها تكدير السِّلم العام ونشر القلق الذي يمحو سعادة البشرية. ولهذا السبب، استهدفت السلطات حرق جميع الكتب. وبطل الرواية «جاي مونتاج» صارت وظيفته التي تؤمِّن له العيش بكرامة وسعادة -كما تتصوَّرها السلطات- حرق الكتب. بيد أنه يتعجَّب من سبب تمسُّك البعض بمقتنياتهم من الكتب التي تُنتزع منهم انتزاعًا. فقد بلغ التشبث بالكتب إلى إصرار امرأة عجوز تم انتزاع جميع كتب مكتبتها عنوة، أن يتم حرقها مع كتبها؛ لأنها لا تجد لحياتها قيمة دونها.
وأزجى فكر «جاي مونتاج» مقابلته مع جارته «كلاريس مكليلان» التي طرحت عليه سؤالًا بسيطًا: «هل أنت سعيد؟» هذا السؤال قابل الإجابة عنه بالاستهزاء نوعًا، ثم توكيده أنه بالطبع سعيد. لكن اصطدامه بالحقيقة المرَّة عندما آب لمنزله جعل عقله يعمل للمرَّة الأولى؛ فعند التفكير في مسيرته وجد أنها خاوية لا روح فيها، وحياة الخواء الروحي لا تقتصر عليه فقط، بل باتت ناموساً يعاني منه الجميع. وأكَّد تلك الفكرة في عقله أنه عندما آب لمنزله وجد زوجته، التي تقضي وقتها في مشاهدة شاشة تلفزيون بطول الحائط وعرضه، نائمة. بيد أنه لم يلبث حتى تبيَّن أنها حاولت الانتحار بعد تناولها لحبوب منوِّمة. وعندما أتى المسعفون لعمل غسيل معوي، اكتشف أنه يرتدي قناعًا للسعادة، وكذلك كل أفراد المجتمع؛ فوجود زوجته نائمة أو غائبة عن الوعي سواء، وكذلك هي الحال بشأن الحياة أو الموت؛ فالجميع مغيبون عن الوعي وليسوا سعداء.
ومن ثمَّ، يبدأ «جاي مونتاج» في أخذ بعض الكتب معه إلى المنزل كي يقرأها؛ ليعلم السرّ الذي كان يجعل أصحابها متمسكين بها كوسيلة للاستمتاع. وتحدث المفاجأة عندما وشت به زوجته وأبلغت عنه السلطات؛ لخالفته الأوامر. وعند محاولة القبض عليه، ينضم إلى جماعة من الثوَّار الذين يحفظون الكتب الأدبية ويجمعون الكتب؛ لأنهم أدركوا أهميتها وقدرتها على تنمية عقل الإنسان الذي أصبح بليدًا بعد حرمانه القراءة والتفكير. ونهاية الرواية التي يقتل فيها «مونتاج» رئيسه في العمل الذي يدفعه لحرق الكتب، رسالة شائكة من «برادبوري» توضِّح أن الجهل لا يولِّد إلَّا العنف والتعاسة.
أفكار «برادبوري» حاليًا تتم مناقشتها منذ سنوات. ومع التطوُّر التكنولوجي المذهل، تقلَّص عدد المبتكرين والعباقرة، واستسلمت الأجيال الشَّابة لحياة ينعدم فيها التفكير ويفقد فيها العلم قيمته. والتبشير بالذكاء الخارق «السوبر» يعدّ نذير شؤم على البشرية. وعاجلًا أم آجلًا، سيخرج للنور، ومعه ينسحب الإنسان والعقل البشري إلى ظلمات كهوف الجهل. إنسان الكهف قادم لا محالة، حتى ولو كان هذا الكهف مزودًا بجميع الوسائل التكنولوجية.
- أيها السوريون: لا تجدعوا أنوفكم نكاية بوجوهكم!
- مع محاكمة نشطاء التضامن مع فلسطين “أولم 5″… ألمانيا تبدو دولة بوليسية أكثر فأكثر
- وزير فرنسي: أكثر من 5000 معتقل خلال احتجاجات المدارس هذا الأسبوع
- أكثر من 100 ألف مهاجر قانوني في أمريكا يفقدون تغطية الرعاية الصحية
- إيطاليا تخطف تعادلا ثمينا على أرض فرنسا بدوري الأمم الأوروبية


















0 تعليق