أيها السوريون: لا تجدعوا أنوفكم نكاية بوجوهكم!

منذ 52 دقيقة

ثمة فرق هائل بين أن تعارض سلطة، وأن تتمنى سقوط دولة. وبين أن تنتقد حكومة، وأن تراهن على انهيار وطن. وبين أن تطالب بالتغيير والإصلاح والعدالة، وأن تتخيل أن الفوضى والتخريب يمكن أن يكون جسراً آمناً تعبر فوقه إلى المستقبل الذي تريده. أخطر ما يمكن أن يصيب شعباً خرج لتوه من سنوات طويلة من الحرب والدم والتهجير هو أن ينسى بسرعة ماذا يعني غياب الدولة، وماذا يحدث عندما تصبح البندقية أسرع من القانون، والخوف أقوى من المؤسسات، والشارع أقوى من القضاء.
من يروّج لانهيار سوريا سياسياً أو اقتصادياً أو عسكرياً عليه أن يسأل نفسه سؤالاً بسيطاً: ماذا سيحدث في اليوم التالي؟ ليس في الخيال، ولا في منشورات مواقع التواصل، ولا في الأمنيات الغاضبة، بل على الأرض.
من سيدفع رواتب الموظفين؟ من سيشغل المستشفيات ومحطات الكهرباء والمياه؟ من سيحمي الطرق والمطارات والمعابر والمصارف والمخازن؟ من سيمنع السلاح من الانتقال إلى الشوارع؟ من سيوقف عمليات الانتقام والثأر والخطف والنهب؟ ومن سيضمن، عندما تنفلت الأمور، أن يبقى المنتصر اليوم منتصراً غداً؟
الفوضى لا توقّع تعهداً لأحد. حين تنهار الدول لا تسأل الفوضى المواطن عن موقفه السياسي قبل أن تطرق بابه. ولا تسأل المسلح عن طائفته قبل أن تنافسه جماعة أشد تسلحاً. ولا تحمي المعارض لأنه عارض، ولا الموالي لأنه والى، ولا المحايد لأنه اختار الوقوف بعيداً. انهيار مؤسسات الدولة يحوّل الجميع، بدرجات مختلفة، إلى رهائن لموازين قوة متحركة لا يعرف أحد كيف ستنتهي.
وهنا تكمن خطورة الخطاب الذي يتعامل مع انهيار سوريا باعتباره وسيلة للانتقام من خصم سياسي. إذا كنت تختلف مع السلطة، فعارضها. إذا رأيت ظلماً، فطالب بمحاسبة المسؤول عنه. إذا وجدت فساداً، فاكشفه. وإذا كنت تريد دولة أكثر عدلاً وحرية وتمثيلاً للسوريين، فتمسك بذلك ولا تتراجع عنه. لكن لا تخلط بين إسقاط الخطأ وإسقاط السقف فوق رؤوس الجميع.
الدولة ليست الحكومة وحدها. الدولة هي المدرسة التي يذهب إليها ابنك، والمستشفى الذي تحمل إليه أمك، والسجل الذي يثبت ملكية بيتك، والقاضي الذي تلجأ إليه، والشرطي الذي يفترض أن يمنع المجرم من اقتحام منزلك، والطريق الذي تسافر عليه، والكهرباء والمياه والحدود والمطار والمصرف والجامعة والبلدية.
يمكن إصلاح هذه المؤسسات ومحاسبة من يسيء استخدامها، بل يجب ذلك. أما تحطيمها ثم الاعتقاد بأن البديل سيولد صباح اليوم التالي نظيفاً وديمقراطياً ومستقراً، فذلك رهان بالغ الخطورة.
والسوريون تحديداً لا يحتاجون إلى دروس نظرية في معنى الفلتان. لقد دفعوا من دمائهم وأعمارهم وبيوتهم وأرزاقهم ثمناً يكفي أجيالاً. ملايين السوريين عرفوا النزوح واللجوء والفقر وفقدان الأحبة وانهيار الخدمات. مدن وقرى بكاملها عرفت ماذا يعني أن تصبح الجغرافيا موزعة بين قوى مسلحة ومناطق نفوذ وحواجز ومخاوف وهويات متصارعة. فكيف يمكن بعد كل ذلك أن يتحول الانهيار مرة أخرى إلى أمنية؟
المشكلة أن بعض الناس يتصورون الفوضى كما لو كانت عملية جراحية دقيقة، تضرب خصومهم وحدهم ثم تتوقف عند الحدود التي رسموها لها في مخيلتهم. يريدون انهيار الاقتصاد، لكنهم لا يريدون الجوع. يريدون انهيار المؤسسات، لكنهم يريدون بقاء الخدمات. يريدون ضعف الدولة، لكنهم يريدون الأمن. يريدون سقوط خصومهم، لكنهم يتوقعون أن تبقى بيوتهم وأموالهم وأعمالهم وعائلاتهم خارج دائرة النار. هذا ليس تحليلاً سياسياً، بل مقامرة بحياة مجتمع كامل.

 الدولة ليست الحكومة وحدها. الدولة هي المدرسة التي يذهب إليها ابنك، والمستشفى الذي تحمل إليه أمك، والسجل الذي يثبت ملكية بيتك، والشرطي الذي يفترض أن يمنع المجرم من اقتحام منزلك

عندما ينهار الاقتصاد لا يجوع المسؤول وحده، بل يبدأ الفقير أولاً ببيع ما تبقى لديه. وعندما تنهار العملة لا تختفي ثروة أصحاب النفوذ وحدهم، بل يتبخر راتب الموظف ومدخرات الأسرة. وعندما ينهار الأمن لا يحمل الجميع السلاح بالتساوي، بل يصبح المواطن الأعزل الحلقة الأضعف. وعندما تتفكك المؤسسة العسكرية والأمنية لا تنشأ دولة مثالية تلقائياً، بل يظهر فراغ تتنافس على ملئه جماعات مسلحة وشبكات جريمة وقوى محلية وخارجية.
وهذا لا يعني، في المقابل، أن شعار «حماية الدولة» يجب أن يتحول إلى ذريعة لتبرير الظلم أو إسكات النقد أو منع المحاسبة. فالدولة التي تستحق الدفاع عنها ليست مجرد أجهزة ومبانٍ وأعلام. الدولة الحقيقية هي مؤسسات وقانون ومواطنة وحقوق وعدالة وأمن متساوٍ للجميع. والاستقرار الذي يقوم على الخوف وحده استقرار هش، مثلما أن التغيير الذي يقوم على الفوضى مشروع كارثة.
لذلك فإن الخيار العاقل ليس بين الاستبداد والفوضى، ولا بين الصمت والانهيار. هناك خيار ثالث يجب أن يتمسك به السوريون، دولة مستقرة وقابلة للإصلاح في الوقت نفسه، دولة لا يُسمح بتفكيكها، ولا يُسمح أيضاً بتحويلها إلى ملكية خاصة لأي فرد أو جماعة أو طائفة. ومن يعتقد أن بإمكانه استدعاء الانهيار ثم التحكم بمساره، فليقرأ تاريخ الدول التي تفككت مؤسساتها. بداية الفوضى يمكن إشعالها بخطاب أو رصاصة أو انهيار اقتصادي، أما نهايتها فلا يملك أحد تحديد موعدها.
قد يستغرق بناء مؤسسة سنوات، وهدمها ساعات. وقد يحتاج ترميم الثقة بين أبناء البلد إلى جيل كامل، بينما تكفي أيام قليلة من الدم والثأر لإعادة مجتمع بأكمله سنوات إلى الخلف.
لهذا، لا تتمنوا لسوريا السقوط نكايةً بمن يحكمها أو بمن تختلفون معه. طالبوا بالعدالة، طالبوا بالحقوق، انتقدوا، عارضوا، حاسبوا، واضغطوا من أجل الإصلاح، فهذا حق السوريين وضرورة لبناء مستقبلهم. لكن لا تجعلوا الوطن نفسه هدفاً في معركتكم. فالسلطات تتغير، والحكومات ترحل، والوجوه تتبدل، أما إذا انهار البيت على رؤوس أهله فلن يسأل الركام من كان موالياً ومن كان معارضاً.
ومن يصر اليوم على إشعال النار في السفينة لأنه يكره من يقف عند الدفة، قد يكتشف متأخراً أن البحر لا يعترف بالخصومات السياسية. حينها لن يكون السؤال: من انتصر؟ سيكون السؤال الأكثر مرارة: ماذا بقي من سوريا؟
فلا تجدعوا أنوفكم نكايةً بوجوهكم، ولا تثقبوا السفينة نكاية في رفاق الرحلة، ولا تحرقوا وطنكم رغبةً في إحراق خصومكم. لأن النار، حين تكبر، لا تقرأ أسماء أصحاب البيوت قبل أن تلتهمها.

٭ كاتب واعلامي سوري
[email protected]

✎

فريق تحرير المصطبة نيوز

فريق التحرير في المصطبة نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق