نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
هل يغفر القلب ما يرفض العقل نسيانه؟, اليوم الخميس 1 يناير 2026 02:58 صباحاً
ليس جميع البشر متساوين في قدرتهم على التسامح مثل عدم تشابههم في طريقة تحمل الألم، التسامح ليس فضيلة أخلاقية مطلقة بقدر ما هو بنية نفسية تتكون منذ الطفولة وتتغذى من التجارب المؤلمة التي نمر بها في حياتنا وتتشقق مع الخيبات المتراكمة التي نتعرض لها، بعض البشر خلقوا بجلد سميك تمر عليهم الجراح كما تمر الرياح على صخر قديم تترك فقط أثرا سطحيا ثم تمضي دون أي جرح عميق، على النقيض هناك آخرون قلوبهم رخوة تمتص الألم كما تمتص الأرض العطشى الماء، تستقر جراحهم بشكل عميق، وتتحول إلى ندبة دائمة داخلهم، الندبة في جوهرها ليست مجرد أثر لما حدث، بل هي شهادة على أن شيئا انكسر ولم يعد كما كان.
أتذكر في السابق حين انجرحت يدي للمرة الأولى، لم يكن الألم مجرد جرح عابر، بل كان صدمة جعلت جسدي كله ينتبه، بعد زمن وفي الموضع ذاته، انجرحت يدي نفسها ونزفت مرة أخرى، وكأن المكان قرر ألا ينسى، تلك المرة كان الألم مضاعفا لا لأنه أشد جسديا، بل لأنه أيقظ ذاكرة الجرح الأولي، أجسامنا تتذكر أكثر مما نظن وكذلك عقلنا فهو شريك أساسي في هذا التخزين، العقل يربط الموضع بالمعنى والألم بالتهديد، يستدعي التجربة كاملة بمجرد نظرة، فها أنا ذاك كلما نظرت إلى ذلك الموضع أسأل نفسي: هل سيأتي يوم أنظر للجرح فلا أتذكر ما حدث؟ أم أن بعض العلامات خلقت لتبقى! لا لتؤلمنا، بل لتذكرنا بأننا نجونا، وأن التكرار ليس صدفة، بل رسالة، الزمن لا يمحو الندبات كما نحب أن نصدق، الزمن فقط يهدئ النزيف، ويمنح الجرح فرصة ليلتئم، لكنه لا يعيد المكان إلى حالته الأولى، كل ندبة تحمل ذاكرة، وكل ذاكرة تحمل تحذيرا صامتا يهمس «هنا تألمت... فانتبه».
المغفرة ليست نسيانا، بل إعادة ترتيب داخلية لعلاقتنا مع الألم، نحن نغفر حين نملك فائضا من الطاقة النفسية التي تسمح لنا بأن نضع الجرح في الهامش لا في المركز، نغفر حين لا يعود الألم مهددا لهويتنا، ولا يشعرنا بأن كرامتنا ما زالت مستباحة، ولكن حين يتجاوز الجرح حد الاحتمال، حين يضرب جوهر الأمان أو يهز صورتنا عن أنفسنا، هنا فقط تتلاشى القدرة على المغفرة، لا عن قسوة بل عن غريزة من أجل البقاء، هي لحظة خفية لا يعلن عنها، يقرر فيها الإنسان أن قلبه لم يعد صالحا لمزيد من التسامح، ليست لحظة غضب بل هي لحظة وعي بارد، حينها ندرك أن كل محاولة غفران إضافية تعني اقتطاع جزء جديد من روحنا، تتحول الندبة في ذلك الوقت من أثر صامت إلى علامة إرشادية، تذكرنا بما لا يجب أن يتكرر.
بعض الندبات نختار أن نخفيها لا لأننا نسيناها بل لأننا تعلمنا كيف نعيش دون أن نضع أصابعنا عليها كل يوم، وبعضها يظل ظاهرا لا يلتئم لأننا نحتاجه، نحتاج أن نراه وأن نتذكر ما حدث لكي نمنع أنفسنا من السقوط في الوهم ذاته مرة أخرى من جديد، ليس الزمن هو من يمحو الندبات، بل الإنسان هو من يقرر هل ستصبح الندبة بابا للتسامح الواعي أم جدارا للحماية؟ وفي الحالتين، الندبة لا تختفي... هي فقط تغير معناها.
NevenAbbass@

















0 تعليق