ماذا لو أرادت السعودية قيادة العالم الإسلامي من المدينة المنورة؟

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ماذا لو أرادت السعودية قيادة العالم الإسلامي من المدينة المنورة؟, اليوم الخميس 5 فبراير 2026 08:08 صباحاً


في ميزان القوة الاستراتيجية تمتلك المملكة العربية السعودية ورقة فريدة لا تمتلكها أي دولة أخرى في النظام الدولي. ورقة لو أرادت استخدامها لإعادة تشكيل معادلات النفوذ في العالم الإسلامي لكان أثرها فوريا وعميقا، وهي خيار نقل العاصمة من الرياض إلى المدينة المنورة. مركز قيادة العالم الإسلامي منذ الرسالة المحمدية؛ لأن المسألة هنا لا تتعلق بقرار إداري أو تخطيطي بل بقدرة سيادية كامنة على إعادة تعريف مركز الثقل الرمزي والسياسي في العالم الإسلامي من خلال الدولة الوحيدة التي تجمع بين السيادة الكاملة على الحرمين الشريفين والقدرة الاقتصادية والكفاءة التنظيمية والبنية المؤسسية القادرة على إدارة دولة حديثة بكامل تعقيداتها.

وطرح هذا الخيار في أي مرحلة من قبل المملكة كان سيمنحها تفوقا استراتيجيا مركبا على ثلاثة مستويات مترابطة، مستوى الشرعية المعنوية في وجدان الشعوب الإسلامية، ومستوى النفوذ السياسي الهادئ، ومستوى إعادة تشكيل صورتها الدولية بوصفها المرجعية الأكثر توازنا في إدارة العلاقة بين الدين والدولة في العالم الإسلامي.

وتكمن أهمية هذه الورقة تحديدا في أنها لا تقوم على أدوات الضغط التقليدية ولا على القوة الصلبة، بل على إعادة تموضع سيادي يحمل في داخله رسالة رمزية عميقة مفادها أن المملكة لا تقود العالم الإسلامي من موقع الوصاية ولا من موقع التنافس على الزعامة بل من موقع الامتداد التاريخي لمركز التأسيس الأول للدولة الإسلامية. وهذه الرسالة لو طرحت فستتحول إلى رصيد معنوي واسع داخل المجتمعات الإسلامية وداخل النخب السياسية والفكرية على حد سواء.

ومن الناحية الاستراتيجية البحتة فإن نقل العاصمة إلى المدينة المنورة سيحقق للمملكة مجموعة من المكاسب النوعية:

  1. على مستوى القيادة المعنوية، كانت المملكة ستعيد ربط مركز القرار السياسي بأعلى نقطة رمزية في الذاكرة الإسلامية، وهو ما يمنح سياستها الخارجية بعدا أخلاقيا إضافيا، ويعزز قدرتها على التأثير في قضايا العالم الإسلامي الكبرى من موقع جامع لا تنافسي.
  2. على مستوى المكانة الدولية، كانت المملكة ستظهر بوصفها الدولة القادرة على تقديم نموذج متوازن للدولة الحديثة المنطلقة من عمق حضاري وديني من دون أن تنزلق إلى منطق الدولة العقائدية، وهو تموضع يرفع من قيمتها كشريك استراتيجي في الحوار الحضاري وفي ملفات الاستقرار العالمي المرتبطة بالعالم الإسلامي.
  3. على مستوى القوة الناعمة، كان نقل العاصمة سيمنح المملكة أداة تأثير واسعة وهادئة في الرأي العام الإسلامي والعالمي؛ لأن المدينة المنورة ليست مجرد عنوان إداري بل رمز لمصدر الشرعية التاريخية الأولى للدولة في الإسلام، ولكن المملكة تحترم خصوصية كل دولة.
  4. على مستوى إدارة الملفات الإسلامية المشتركة، كان وجود العاصمة في المدينة المنورة سيعزز قدرة المملكة على جمع الأطراف الإسلامية المختلفة حول مبادرات سياسية وإنسانية وتنموية من موقع معنوي يصعب تجاوزه ولكن السعودية لا تريد إحراج تلك الدول واضعة الأولوية لمصالح تلك الدول داخل دولهم.
  5. على مستوى توحيد الصورة الذهنية للمملكة، كانت الخطوة ستعمق إدراك أن المملكة ليست فقط دولة طاقة واقتصاد واستثمار بل دولة مرجعية حضارية قادرة على الجمع بين الحداثة والهوية من دون صدام.
ومع كل هذا الثقل الاستراتيجي الإيجابي الذي تحمله هذه الورقة، فإن جوهر القوة السعودية الحديثة لا يكمن في استخدامها بل في القدرة على الاحتفاظ بها دون توظيف استئثاري. فالمملكة وهي تدرك تماما حجم هذه الرافعة الرمزية اختارت ألا تجعلها أداة تفوق سياسي أو وسيلة لإعادة التموضع القيادي على حساب بقية الدول الإسلامية.

لأن القرار الحقيقي هنا ليس الامتناع بل توجيه الدور. نظرا لأن المملكة أرادت أن تكون سلطة اتزان لا سلطة استئثار. ولأنها أرادت أن تكون نقطة ارتكاز إقليمي وحضاري تلتف حولها المصالح لا أن تتمحور حولها الاصطفافات. وأرادت أيضا أن تحتفظ بأعلى رصيد رمزي ممكن من دون تحويله إلى أداة تفاضل سياسي بين الدول الإسلامية.

وفي هذا الإطار يمكن قراءة السياسة السعودية بوصفها سياسة ضبط للقوة لا سياسة تعظيم للهيمنة. فامتلاك ورقة بحجم نقل العاصمة إلى المدينة المنورة ثم اختيار عدم تفعيلها يعكس مستوى عاليا من الوعي الاستراتيجي بطبيعة المرحلة التي تمر بها المنطقة والعالم الإسلامي، وهي مرحلة تحتاج إلى دولة مرجعية عقلانية لا إلى مركز رمزي منافس.

وتأتي جهود المملكة بقيادة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان لترجمة هذا التحول العميق في فلسفة الدور السعودي. فالمملكة اليوم تعيد بناء نفوذها عبر أدوات أكثر استدامة وعمقا:

  1. بناء نموذج دولة حديثة عالية الكفاءة وقادرة على الإنجاز السريع.
  2. تحويل الاقتصاد الوطني إلى منصة إقليمية للاستثمار وسلاسل الإمداد والطاقة والخدمات.
  3. ترسيخ صورة المملكة بوصفها مركز توازن في الإقليم وقناة تواصل بين قوى متنافسة.
  4. الاستثمار في الدبلوماسية الاقتصادية والتنموية بوصفها جسرا لتقليص فجوات الخلاف لا لتعميقها.
وفي هذا السياق تصبح ورقة نقل العاصمة إلى المدينة المنورة دليلا على حجم ما تمتلكه المملكة من خيارات استراتيجية لا على ما تفتقر إليه. وتصبح أهميتها الحقيقية في كونها تمثل أقصى ما يمكن أن يصل إليه النفوذ الرمزي في العالم الإسلامي، غير أن المملكة اختارت أن تجعل هذا النفوذ في خدمة الاستقرار لا في خدمة إعادة توزيع الزعامة.

وهكذا ترسم السعودية موقعها اليوم. دولة تملك القدرة على إعادة تعريف مركز الثقل الرمزي والسياسي لو أرادت؛ لكنها تفضل أن توظف ثقلها التاريخي والديني والاقتصادي في صناعة بيئة إقليمية ودولية أكثر توازنا. وأن تكون سلطة اتزان لا سلطة استئثار، وقوة جمع لا قوة تفاضل، ونقطة التقاء لمصالح الدول لا مركز تنافس على الشرعية.

وفي الختام فإن هذا المقال يعبر عن قراءة تحليلية شخصية في مسار القوة الناعمة للمملكة، وهو لا يعكس توجها رسميا للدولة حيال مثل هذا الأمر.

alatif1969@

أخبار ذات صلة

0 تعليق