هل ريادة الأعمال مفهوم عصري أم فكر أزلي؟

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
هل ريادة الأعمال مفهوم عصري أم فكر أزلي؟, اليوم الخميس 5 فبراير 2026 11:02 صباحاً


طرحت هذا التساؤل كثيرا ومن خلاله أود التنقيب التاريخي هل: لمصطلح ريادة الأعمال أصل وفصل.

يخيل للكثيرين أن ريادة الأعمال مفهوم وليد العصر ترسخ تدريجيا مع ظهور اقتصاد المعرفة والتقنية، حتى بات مرتبطا بالشركات الناشئة، ورؤوس الأموال الجريئة، وحاضنات الأعمال، غير أن التأمل المتسلسل العميق تاريخيا واجتماعيا واقتصاديا يكشف أن الريادة ليست مصطلحا مفاجئا، بل سلوك إنساني قديم، تغيرت أدواته وبقي جوهره.

الريادة في أصلها «قدرة الإنسان على المبادرة، وتحمل المخاطر، واستثمار الفرص، وتحويل الفكرة لقيمة»، وبهذا المعنى كان التجار قديما في قوافلهم، والحرفيون في أسواقهم، والمزارعون في حقولهم يبتكرون أساليب مغايرة ومتجددة في نوعيتها وفكرتها للتعامل مع تقلبات أعمالهم؛ وهم بهذا الفكر رواد أعمال بحسب مقتضيات عصرهم وإمكاناتهم.

أما الريادة في إرثنا الإسلامي تتجلى بوضوح في عمل النبي عليه الصلاة والسلام بالتجارة قبل البعثة، وإدارته رأس المال بكفاءة وأمانة، حتى لقب بالصادق الأمين، وهي قيم جوهرية في ريادة الأعمال العصرية كالثقة، والسمعة، والاستدامة. كما أن السيدة خديجة رضي الله عنها تمثل نموذجا مبكرا لرائدة الأعمال بإدارة تجارتها، وتفويضها، واستثماراتها، وتوسيع نطاق أعمالها عبر القوافل.

وفي القرآن الكريم، إشارات متعددة لقيمة السعي والمبادرة، كقوله تعالى «فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه» وهي دعوة صريحة للحركة، والاكتشاف، وعدم الركون للثبات، وهي جوهر العقلية الريادية.

في المجتمعات العربية القديمة، في الحجاز واليمن والشام، قامت المدن التجارية الكبرى على أكتاف رواد أعمال بمعايير زمانهم.

لم تكن هنالك خطط عمل مكتوبة، لكن كانت فراسة السوق، وإدارة المخاطر، وبناء العلاقات، كسوق عكاظ ومجنة وذي المجاز تعتبر منصات تجارية اقتصادية تنافسية، تختبر الأفكار والبضائع والسمعة.

تشير أبحاث علم الاجتماع الاقتصادي إلى أن الريادة سلوك قبل أن تكون علما وتنظر لرائد الأعمال بأنه صانع التغيير، بينما تؤكد دراسات حديثة في علم النفس التنظيمي أن السمات الريادية كالمرونة، والجرأة، وتحمل الضغوط هي صفات إنسانية تظهر في مختلف العصور، لكنها تزدهر وتتطور حين تتوفر البيئة الحاضنة.

ما نعيشه اليوم هو تحول في أدوات الريادة لا في جوهرها. فبدل القوافل ظهرت المنصات الرقمية، وتبدلت الأسواق الموسمية للأسواق العالمية المفتوحة على مدار الساعة.

وبرأيي، إن رواد الأعمال المعاصرين يسيرون على خطى أسلافهم، لكن بعجلات أسرع ومساحات أوسع، وإن ريادة الأعمال ليست مفهوما عصريا دخيلا، بل فكر إنساني أصيل، والجديد هي اللغة، والأدوات، وحجم التأثير. أما جوهر المبادرة، والمخاطرة، وصناعة القيمة فقد رافق الإنسان منذ أن قرر عدم الاكتفاء بما هو متاح، وإنتاج ما لم يكن موجودا.

ولهذا، فإن المجتمعات التي تنجح في المستقبل ليست تلك التي تستورد مصطلحات الريادة، بل التي تستعيد روحها الريادية الأصيلة، وتعيد توظيفها بما يليق بواقعها العصري.

Yos123Omar@

أخبار ذات صلة

0 تعليق