نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
كيف تؤثر الحروب المجاورة على استقرار الخليج؟, اليوم الاثنين 11 مايو 2026 02:49 صباحاً
تؤثر الحروب المجاورة في استقرار الخليج لا لأنها تطرق أبوابه العسكرية فقط، بل لأنها تضغط على الأعصاب العميقة التي يقوم عليها أمنه، والطاقة، والممرات البحرية، وثقة المستثمر، وتماسك الجبهة الداخلية، وتوازن العلاقة مع واشنطن وبكين، وحدود المناورة مع إيران. لذلك لم تعد الحرب حول الخليج حدثا خارجيا يمكن مراقبته من بعيد، بل صارت اختبارا دائما لقدرة الدول الخليجية على إدارة الخطر من دون الانجرار إليه.
لهذا فإن الخليج يعيش مفارقة استراتيجية دقيقة، فهو من أكثر أقاليم العالم ثراء بالموارد وأشدها اتصالا بالأسواق العالمية، لكنه في الوقت نفسه محاط بأحزمة اضطراب ممتدة من اليمن إلى العراق وسوريا والبحر الأحمر وإيران وغزة. وأي رصاصة في هذه الدوائر لا تبقى محلية بالكامل، لأنها تتحول بسرعة إلى كلفة تأمين أعلى، أو تأخير في الشحن، أو ارتفاع في أسعار الطاقة، أو ضغط دبلوماسي على العواصم الخليجية كي تختار موقعا بين القوى المتصارعة.
وأخطر أثر للحروب المجاورة أنها تنقل الخليج من منطق الأمن الحدودي إلى منطق الأمن الشبكي، حيث لم يعد الخطر يأتي فقط من دبابة تعبر الحدود، بل من صاروخ يستهدف منشأة طاقة، أو مسيرة تعطل ميناء، أو هجوم سيبراني يصيب شبكة كهرباء، أو اضطراب في مضيق هرمز يربك أسواق العالم. وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحرا مر عبر مضيق هرمز في عام 2025، وأن خيارات تجاوز المضيق محدودة ولا تملك طاقة بديلة مؤثرة سوى السعودية والإمارات عبر خطوط أنابيب قائمة. وهذا يجعل أي حرب قريبة من المضيق تهديدا مباشرا ليس للخليج وحده بل للاقتصاد العالمي كله.
والحرب في اليمن تقدم المثال الأوضح، فهي لم تعد مجرد نزاع داخلي يمني، بل تحولت إلى معادلة أمنية تطال جنوب الخليج والبحر الأحمر وباب المندب. وكلما ضعفت الدولة اليمنية زادت قدرة الفاعلين المسلحين على تهديد الملاحة أو استخدام الجغرافيا اليمنية كورقة ضغط. حيث إن أزمة البحر الأحمر منذ أواخر 2023 أظهرت أن جماعة مسلحة قادرة على رفع تكاليف التجارة الدولية وإجبار السفن على تغيير مساراتها. وقد ربط البنك الدولي أزمة البحر الأحمر بارتفاع تكاليف النقل والتأمين وبآثار تضخمية محتملة على سلاسل الإمداد.
أما العراق فيؤثر في الخليج بطريقة مختلفة، لأن الخطر العراقي لا يكمن فقط في احتمال عودة الفوضى الأمنية. بل في تحوله إلى ساحة توازن بين إيران والولايات المتحدة وقوى محلية مسلحة. وكل تصعيد داخل العراق يضع الخليج أمام سؤال صعب. كيف يحمي مصالحه من دون أن يبدو طرفا في صراع داخلي؟ وكيف يدعم استقرار بغداد من دون أن يصطدم بنفوذ طهران؟ لذلك فإن استقرار العراق لم يعد شأنا عراقيا خالصا، بل جزء من أمن الخليج البري والسياسي والطاقوي.
بالإضافة إلى أن الحرب في غزة أضافت بعدا جديدا، لأنها أعادت الشارع العربي إلى مركز الحسابات السياسية. ووضعت دول الخليج بين ضرورات الدبلوماسية الدولية وحساسية الرأي العام. كما أنها فتحت المجال لتوسع الصراع إلى لبنان وسوريا والعراق والبحر الأحمر. وهنا يظهر أثر الحروب المجاورة على الاستقرار الداخلي لا عبر الاحتجاج المباشر فقط، بل عبر ضغط السرديات. من يملك رواية الأخلاق، من يملك رواية الأمن، ومن يستطيع الموازنة بين التحالفات الدولية والتضامن الشعبي.
ولكن التأثير الأعمق هو التأثير على مشروع التحول الاقتصادي، لأن الخليج لا يريد أن يبقى رهينة النفط، وهو يستثمر في السياحة واللوجستيات والتقنية والصناعة والطاقة المتجددة، وهذه القطاعات تحتاج إلى صورة ذهنية مستقرة، لأن المستثمر لا يقرأ الحدود على الخريطة كما يقرأها السياسي. فالمستثمر يرى الإقليم كتلة مخاطر واحدة، فإذا اشتعل البحر الأحمر أو تصاعد التوتر مع إيران أو تعثرت الهدنة في اليمن، فإن تكلفة رأس المال ترتفع حتى لو بقيت المدن الخليجية آمنة. ولهذا يصبح الأمن الإقليمي شرطا غير مكتوب لنجاح رؤى التحول.
ومع ذلك لا ينبغي المبالغة في هشاشة الخليج، فقد بنت دوله خلال السنوات الماضية احتياطيات مالية وقدرات دفاعية وشبكات تحالف واسعة، كما توسعت في سياسة التهدئة مع الخصوم وتصفير الأزمات وتعدد الشراكات. وهناك تقارير اقتصادية دولية تشير إلى أن اقتصادات الخليج أظهرت مرونة في بيئة عالمية مضطربة مع استمرار نمو القطاعات غير النفطية. لكن هذه المرونة ليست ضمانة مطلقة، إنها مساحة وقت تمنح صانع القرار فرصة للتحرك قبل أن تتحول الحرب المجاورة إلى أزمة داخلية.
علما بأن الاستقرار الخليجي اليوم لم يعد يعني غياب الحرب داخل الحدود. بل يعني القدرة على منع انتقال عدوى الحرب إلى الاقتصاد والمجتمع والممرات والطاقة والشرعية السياسية. وهذا يتطلب ثلاث طبقات من السياسة، طبقة دفاعية تحمي المنشآت والمياه والموانئ، وطبقة دبلوماسية تمنع التصعيد وتبني قنوات مع الخصوم، وطبقة داخلية تجعل المجتمع أكثر قدرة على امتصاص الصدمات من خلال الشفافية والتنويع الاقتصادي وتقوية الثقة العامة.
لهذا فإن الحروب المجاورة لا تهدد الخليج لأنها قد تصل إليه فقط، بل لأنها قد تجبره على تغيير أولوياته، من التنمية إلى التحصين، ومن الانفتاح إلى الحذر، ومن الاستثمار طويل المدى إلى إدارة المخاطر اليومية. والتحدي الاستراتيجي الحقيقي هو ألا يسمح الخليج للحروب المحيطة بأن تحدد مستقبله، بل أن يحول ثقله المالي والدبلوماسي إلى مشروع إقليمي للاستقرار. فالدولة الخليجية التي تكتفي ببناء الجدران ستبقى قلقة، أما الدولة التي تساعد في إطفاء الحرائق حولها فهي التي تملك فرصة حقيقية لحماية بيتها من الداخل.














0 تعليق