حذر خبراء ومؤسسات دولية من تصاعد أعباء الديون وتكلفة التمويل التي تتحملها الاقتصادات الأفريقية، مؤكدين أن بعض دول القارة تنفق على خدمة الديون مبالغ تفوق ما تخصصه لقطاعي الصحة والتعليم، في وقت تتحمل فيه أفريقيا نحو 75 مليار دولار سنويًا كتكلفة إضافية نتيجة ما يُعرف بـ«علاوة المخاطر الأفريقية»، بما يحد من قدرتها على توجيه الموارد نحو الاستثمار والإنتاج وتحسين مستويات المعيشة.
وشدد المشاركون في جلسة «إصلاحات جزئية في مواجهة فجوات البنية التحتية والثمن الذي تدفعه أفريقيا جراء الأزمات المتشابكة»، ضمن فعاليات منتدى القاهرة الثالث «Cairo Forum 2026»، على ضرورة إعادة النظر في نموذج تمويل التنمية بالقارة، وعدم الاكتفاء بالإصلاحات التقليدية المرتبطة بالاستقرار المالي والانضباط الاقتصادي، مع التوسع في تعبئة رؤوس الأموال الخاصة، وتطوير مشروعات إقليمية متكاملة تعزز الإنتاجية والتكامل الاقتصادي.
شارك في الجلسة سعد صبرة، رئيس مكتب مؤسسة التمويل الدولية في مصر، وإليزابيث سيديروبولوس، الرئيسة التنفيذية لمعهد الجنوب الأفريقي للشؤون الدولية، والدكتورة فيرا سونغوي، مؤسسة ورئيسة صندوق السيولة والاستدامة، وأدارتها دينا شريف، المدير التنفيذي لمركز الرخاء وريادة الأعمال.
خبراء دوليون بفعاليات منتدى القاهرة الثالث: «بريكس» أمام اختبار التحول من تكتل اقتصادي إلى قوة مؤثرة في النظام العالمي خبراء يحذرون من تراجع أجندة التنمية وتمثيل إفريقيا بمجموعة العشرين بعد رئاسة الولايات المتحدة خبراء: إفريقيا تواجه تحدي تعظيم العائد الاقتصادي من ثرواتها وبياناتها في عصر الذكاء الاصطناعيوقال سعد صبرة إن التحدي الرئيسي أمام تمويل التنمية في أفريقيا لم يعد يقتصر على توفير التمويل لمشروع منفرد أو تحسين الأداء المالي لشركة بعينها، وإنما يتمثل في كيفية بناء منظومات اقتصادية متكاملة قادرة على تحقيق أثر تنموي أوسع وأكثر استدامة.
وأضاف أن مؤسسة التمويل الدولية التزمت بتوفير تمويلات تقترب من 20 مليار دولار للقارة الأفريقية، من بينها نحو 1.5 مليار دولار في مصر، مشيرًا إلى أن ميزانيات المؤسسات متعددة الأطراف والجهات المانحة والحكومات لم تعد كافية وحدها لتمويل التحول الاقتصادي المطلوب.
وأوضح أن رؤوس الأموال متاحة، لكن المطلوب هو تطوير منصات استثمارية قادرة على جذب استثمارات القطاع الخاص، وتحقيق التوازن بين المخاطر والعوائد والأثر التنموي، لافتًا إلى أهمية التعامل مع أفريقيا باعتبارها تكتلات إقليمية مترابطة، وليس مجموعة من الأسواق المنفصلة.
وأشار إلى أن دور مؤسسات تمويل التنمية لا ينبغي أن يقتصر على توفير الأموال، بل يمتد إلى تهيئة البيئة الاستثمارية، ومساعدة الحكومات على تحديد المشروعات ذات الجدوى الاقتصادية، ومعالجة المعوقات التنظيمية والمؤسسية، إلى جانب توفير أدوات ضمان المخاطر والتمويل الميسر لتشجيع البنوك التجارية والمستثمرين على المشاركة.
وأكد صبرة أن التعامل مع أفريقيا باعتبارها سوقًا واحدة ذات مستويات مخاطر متجانسة أمر غير دقيق، إذ تضم القارة أسواقًا ناشئة وأخرى صغيرة، فضلًا عن دول تواجه مستويات مرتفعة من الهشاشة الاقتصادية والسياسية، مشيرًا إلى استهداف مضاعفة التمويل الخاص المحفز أربع مرات بحلول 2030.
من جانبها، قالت إليزابيث سيديروبولوس إن تكلفة «علاوة المخاطر الأفريقية» تصل إلى نحو 75 مليار دولار سنويًا، موضحة أن هذه التكلفة ترتبط بطبيعة النظام المالي والتجاري الدولي، إلى جانب السياسات الاقتصادية داخل القارة.
وأضافت أن الحكومات الأفريقية نادرًا ما تتراجع عن التزامات سداد الديون، لكنها قد تضطر إلى تقليص التزاماتها تجاه مواطنيها، في ظل ارتفاع أعباء خدمة الدين، التي تتجاوز في بعض الدول الإنفاق على الصحة والتعليم.
وأشارت إلى أن خروج التدفقات المالية غير المشروعة من القارة يتجاوز ما كان يتدفق إليها من مساعدات إنمائية، بما يعكس اختلالات في النظام المالي العالمي، ويجعل أفريقيا تسهم في تمويل الاقتصاد العالمي بدلًا من أن تظل متلقية للتمويل.
وفيما يتعلق بفجوات البنية التحتية، أوضحت أن تنفيذ المشروعات بصورة منفصلة يؤدي إلى استمرار العمل في جزر منعزلة، رغم وجود مبادرات قارية تستهدف تعزيز الترابط بين الدول، من بينها برنامج تطوير البنية التحتية في أفريقيا (PIDA)، الذي يشمل مشروعات السكك الحديدية والطرق والطاقة والبنية التحتية الرقمية.
وشددت على ضرورة الانتقال من نموذج يركز على استخراج الموارد الطبيعية ونقلها إلى الأسواق العالمية، إلى نموذج أكثر استدامة يحقق قيمة اقتصادية واجتماعية داخل القارة، ويسهم في بناء سلاسل قيمة إقليمية، لافتة إلى أن التمسك بمفهوم السيادة الوطنية يمثل أحد التحديات السياسية أمام توسيع نطاق التكامل الاقتصادي بين الدول الأفريقية.
من جانبها، قالت الدكتورة فيرا سونغوي إن الديون ليست سوى عرض من أعراض المشكلة الاقتصادية في أفريقيا، بينما يكمن التحدي الأساسي في عدم توظيف رؤوس الأموال المتاحة داخل القارة بصورة تحقق عوائد تنموية حقيقية، وتدعم الإنتاجية وتخلق فرص العمل.
وأضافت أن مفهوم الاستقرار الاقتصادي جرى اختزاله لفترات طويلة في تحقيق التوازنات الاقتصادية الكلية والانضباط المالي، دون الاهتمام بالقدر الكافي بمدى انعكاسه على الاستثمار والإنتاج والتشغيل، مؤكدة أن الاستقرار يفقد جزءًا من قيمته إذا لم يترجم إلى نمو إنتاجي وفرص عمل وتحسن في مستويات المعيشة.
وأشارت إلى أن ارتفاع تكلفة التمويل يرتبط أيضًا باعتماد الدول الأفريقية على أسواق اقتراض محددة، وعدم امتلاكها القدرات المؤسسية الكافية لتنويع مصادر التمويل والمفاضلة بين الأدوات المتاحة، موضحة أن ارتفاع تكلفة الاقتراض يؤثر مباشرة على جدوى مشروعات الطاقة والبنية التحتية ويحد من قدرتها على جذب المستثمرين.
وأكدت أن تحسين قابلية المشروعات للتمويل لا يكفي وحده، إذ يتعين على الدول الأفريقية امتلاك ما وصفته بـ«الاستقلالية المالية» (Financial Agency)، من خلال بناء قدرات تمكنها من التحرك بين أسواق التمويل المختلفة، واختيار مصادر الاقتراض الأقل تكلفة، والتفاوض على شروط تتناسب مع احتياجاتها وأولوياتها التنموية.
- منتدى القاهرة الثالث يناقش تحديات التحول الاقتصادي في أفريقيا وسبل تجاوز فجوات التمويل
- وزير التخطيط: التوترات الإقليمية والدولية تضغط بقوة على الحيز المالي للدول النامية والاقتصادات الناشئة
- وزير التخطيط يبحث تعزيز التعاون المشترك مع «التمويل الدولية»
- خلال مشاركته باجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين ببانكوك.. وزير التخطيط يبحث تعزيز سبل التعاون مع مؤسسة التمويل الدولية
- وكيل صحة أسيوط: تقديم أكثر من 20 ألف خدمة مجانية لـ 8243 مواطنًا خلال شهر






