طرح المهندس أحمد عز، رئيس الاتحاد العربى للحديد والصلب، مبادرة لتأسيس سوق عربية موحدة ومتكاملة لصناعة الصلب، على غرار التجربة الأوروبية التى بدأت بتوحيد سوقى الفحم والصلب قبل 75 عامًا، مقترحًا تنفيذ المبادرة عبر 4 مراحل تبدأ باتفاقية قطاعية وإطار مؤسسى مشترك، وتنتهى بتأسيس هيئة عربية دائمة تتولى إدارة السوق ومراقبة المنافسة وتنظيم التجارة والتدخل فى أوقات الأزمات.
وقال «عز»، خلال كلمته أمام قمة الصلب العربى الـ19، أمس، إن العالم العربى أمام خيارين؛ إما الاستمرار كأسواق متفرقة يسهل إغراقها واحدة تلو الأخرى، أو بناء سوق عربية واحدة للصلب، محمية من الخارج ومفتوحة من الداخل، وتديرها هيئة عربية تمتلك صلاحيات اتخاذ القرار، مشيرًا إلى أن المقترح يستهدف تحويل التحديات التى تواجه الصناعة إلى فرصة للتكامل وتعزيز القدرة التنافسية للمنتجين العرب.
وأوضح أن أهمية المبادرة تنبع من الإمكانات التى تمتلكها صناعة الصلب العربية، إذ يبلغ إنتاجها نحو 44 مليون طن، وهو حجم يمكن أن يضعها فى المرتبة السابعة عالميًا إذا تحركت باعتبارها كتلة اقتصادية واحدة، متقدمة على تركيا التى يبلغ إنتاجها 38 مليون طن، وألمانيا بنحو 34 مليون طن.
انطلاق قمة الصلب العربي الـ 19 والمعرض الدولي للحديد اليوم قمة «الصلب العربى» تحذّر الحكومات العربية من ممارسات الشركات التركية قمة «الصلب العربى» تحذّر الحكومات العربية من ممارسات الشركات التركيةوأضاف أن المنطقة تمتلك فرصًا واسعة لزيادة الاستهلاك، إذ يتراوح متوسط استهلاك الفرد العربى من الصلب بين 120 و130 كيلوجرامًا سنويًا، مقابل أكثر من 210 كيلوجرامات عالميًا، وأكثر من 400 كيلوجرام فى الاقتصادات الصناعية، بما يعكس وجود مساحة كبيرة لنمو الطلب المحلى والإقليمى.
ولفت إلى أن الدول العربية استوردت خلال 2025 نحو 9 ملايين طن من المسطحات و9 ملايين طن من الأطوال، معتبرًا أن هذه التدفقات تمثل فرصة ضائعة للتكامل وإحلال المنتجات العربية محل الواردات.
واستعرض خريطة طريق لإنشاء «السوق العربية الموحدة للصلب»، وتتمثل المرحلة الأولى فى وضع إطار قانونى ومؤسسى من خلال اتفاقية قطاعية للصلب تحت مظلة جامعة الدول العربية والمجلس الاقتصادى والاجتماعى، تبدأ بالدول الراغبة فى الانضمام، مع توحيد تعريف المنتجات المشمولة وفق البنود الجمركية من 7201 إلى 7306، وإنشاء قاعدة بيانات عربية للإنتاج والطاقات والتجارة يتولى الاتحاد العربى للحديد والصلب إدارتها.
ونوه بأن المرحلة الثانية تستهدف إقامة «سور حماية خارجى موحد»، عبر إنشاء سلطة عربية مشتركة للتحقيق فى ممارسات الإغراق والدعم والزيادات المفاجئة فى الواردات، وإصدار تدابير تجارية تسرى على جميع الدول الأعضاء، إلى جانب توحيد الرسوم الحمائية ووضع قواعد صارمة للمنشأ تشترط إجراء عمليتى الصهر والصب داخل الدول العربية، لمنع التحايل من خلال استيراد المنتجات نصف المصنعة وإعادة تصديرها. ولفت إلى أن المرحلة الثالثة تقوم على إزالة الحواجز الداخلية، من خلال إلغاء الرسوم الجمركية والقيود الكمية على تجارة الصلب ذى المنشأ العربى، وتوحيد المواصفات الفنية، والاعتراف المتبادل بشهادات المطابقة والمختبرات المعتمدة، وإزالة الحواجز غير الجمركية، على ألا تتخذ تدابير حماية بين الدول الأعضاء إلا من خلال الهيئة العربية المشتركة. وأكد أن خارطة الطريق تنتهى بالمرحلة الرابعة، وهى تأسيس هيئة عربية دائمة للصلب، على غرار السلطة العليا الأوروبية، تتولى إدارة منظومة الحماية الخارجية، ومراقبة المنافسة داخل السوق، ونشر الأسعار والبيانات، وامتلاك صلاحيات محددة زمنيًا للتدخل عند انهيار الأسعار أو حدوث اختلالات فى الأسواق.
وأوضح أن السوق الموحدة ستتيح توجيه فوائض بعض الدول العربية لتغطية عجز دول أخرى، خصوصًا فى المسطحات الذى يقدر بنحو 7 ملايين طن، وتوفير سوق تضم أكثر من نصف مليار مستهلك، وترشيد الاستثمارات الجديدة لتوجيهها إلى المنتجات التى تعانى نقصًا فعليًا، مثل المسطحات والصلب الخاص، بدلًا من تكرار إنشاء الطاقات الإنتاجية فى المنتجات نفسها.
وأضاف أنها ستمنح المنتجين العرب قوة تفاوضية أكبر، اعتمادًا على استهلاك عربى يبلغ 55 مليون طن سنويًا، فضلًا عن تحقيق وفورات الحجم من خلال مصانع أكبر وأكثر كفاءة وتكاليف أقل للطن، وتعزيز القدرة على تمويل التحول إلى إنتاج الصلب منخفض الكربون، مستفيدة من ميزة توافر الغاز الطبيعى عربيًا. وحذر من أن الصناعة تواجه تحولًا هيكليًا عالميًا يتجاوز التقلبات الاقتصادية المعتادة، فى ظل اتساع الفجوة بين الطاقات الإنتاجية والطلب، وتصاعد القيود التجارية، وتراجع فاعلية قواعد التجارة الدولية.
وقال «عز» إن الطاقة الإنتاجية العالمية للصلب بلغت 2.5 مليار طن خلال 2025، مقابل إنتاج فعلى قدره 1.85 مليار طن، بما يعكس فائضًا يقترب من 600 مليون طن، مشيرًا إلى أن الأزمة مرشحة للتفاقم، إذ لا يتوقع أن يزيد الطلب العالمى خلال الفترة من 2026 إلى 2028 سوى 34 مليون طن، مقابل التخطيط لإضافة طاقات إنتاجية جديدة تبلغ 139 مليون طن. وأضاف أن منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية تتوقع ارتفاع الفائض إلى 745 مليون طن بحلول 2028، فيما يقدر الاتحاد إمكانية وصوله إلى ما بين 700 و850 مليون طن حتى 2035، ما لم يتم إغلاق طاقات إنتاجية صينية كبيرة.
وأوضح أن النظام التجارى الدولى يشهد بدوره تراجعًا فى القواعد الحاكمة أمام اعتبارات الأمن الاقتصادى والتكتلات، فى ظل تعطّل هيئة الاستئناف بمنظمة التجارة العالمية منذ ديسمبر 2019، واتجاه الاقتصادات الكبرى إلى توسيع استخدام استثناءات الأمن القومى، بما ينقل العالم من نظام قائم على القواعد إلى نظام قائم على القوة والتكتلات. ولفت إلى أنه فى ظل هذا المشهد فإن حماية صناعة الصلب ضرورة لاسيما مع الدعم الحكومى الذى تحصل عليه شركات الصلب فى كبرى الدول المنتجة، والذى يتراوح بين 220 و270 دولارًا للطن وفق دراسات منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية، فضلًا عن فائض الطاقات الإنتاجية الذى يدفع المنتجين للبحث عن أسواق لتصريف إنتاجهم بأى سعر. وأشار إلى أن حماية فرص العمل تمثل دافعًا رئيسيًا آخر، مشيرًا إلى أن كبرى الدول المنتجة فقدت 113 ألف وظيفة فى صناعة الصلب خلال الفترة من 2013 إلى 2021 بسبب فائض الطاقات، باستثناء الصين التى زادت فيها فرص العمل بالقطاع. وحذر من أن القيود التى تفرضها الولايات المتحدة وأوروبا ستؤدى إلى تحويل مسارات الصادرات الفائضة نحو الأسواق العربية والأفريقية، لافتًا إلى أن خفض الحصص الأوروبية وحده بنحو 16 مليون طن سنويًا سيزيد ضغوط الواردات على هذه الأسواق.
وانتقد تشتت أدوات الحماية العربية، موضحًا أن الرسوم التى فرضتها الدول العربية تراوحت بين 5٪ و37٪، مقابل متوسط يبلغ نحو 50٪ فى الأسواق الكبرى، فضلًا عن غياب التنسيق الذى قد يؤدى إلى حماية دولة عربية لسوقها من صادرات دولة شقيقة، بينما تتعرض فى الوقت نفسه للإغراق من أسواق أخرى.
وأفاد بأن المنتجين العرب يواجهون رسوم مكافحة إغراق أمريكية تتراوح بين 23.3٪ و127٪، بخلاف رسوم المادة 232، فيما يضيق الاتحاد الأوروبى حصص استيراد الصلب العربى ويفرض رسومًا على الكميات المتجاوزة لها، بما يجعل الأسواق البديلة المتاحة أمام المنتجين العرب مستهدفة أيضًا من الصادرات الآسيوية المحولة.
وأكد أن الحل يكمن فى بناء سوق عربية قوية، خاصة أن التجارة البينية العربية لا تتجاوز 13٪ من إجمالى التجارة الخارجية العربية، رغم تعدد اتفاقيات التكامل، التى اصطدمت بقواعد المنشأ والقوائم السلبية والحواجز غير الجمركية واختلاف المواصفات. وكشف عن 6 توصيات أمام الحكومات العربية وقادة الصناعة، تستهدف استكمال بناء السوق المشتركة وتعزيز القدرات الإنتاجية والتنافسية للقطاع.
وتتمثل التوصية الأولى فى العمل على إقامة السوق العربية الموحدة للصلب وفق المراحل الأربع المقترحة، والبدء بالدول الراغبة فى الانضمام، أما التوصية الثانية فتستهدف إعادة هيكلة نشاط الدرفلة، وتشجيع المصانع الأكبر نسبيًا على الاستثمار فى المراحل الإنتاجية الأولى، بدءًا من الاختزال المباشر ثم الصهر والصب المستمر، مع تشجيع الشركات الأصغر على الاندماج والاستثمار المشترك فى حلقات الإنتاج الأعلى قيمة مضافة. ودعا بالتوازى إلى مواجهة الواردات المدعومة برسوم تعويضية تشمل المنتجات تامة الصنع ونصف المصنعة، حتى لا يتحول استيراد البليت إلى وسيلة للالتفاف على رسوم المنتج النهائى، مع تشديد الرقابة على المواصفات الفنية لكل رتبة، وتطبيق شهادة منشأ لعمليتى الصهر والصب، والتتبع الإلزامى لرقم الصبة لضمان جودة المنتج النهائى. وأوصى بوقف استيراد معدات الإنتاج المستعملة أو المفككة التى يعاد تركيبها محليًا، لما تضيفه من طاقات متقادمة مرتفعة الاستهلاك والانبعاثات، بما يعمق فائض الإنتاج بدلًا من معالجته.
وفى التوصية الثالثة، أشار إلى تشجيع زيادة استهلاك الصلب عربيًا، من خلال تيسير بناء المساكن عبر التمويل العقارى الميسر، وتبسيط التراخيص وتوفير الأراضى المرفقة، وعدم قصر النشاط العمرانى على المشروعات القومية وشركات التطوير العقارى الكبرى، مؤكدًا أن صغار البنائين يمثلون تاريخيًا جزءًا أساسيًا من الطلب على الصلب. وتتعلق التوصية الرابعة، بدفع النمو الصناعى وتوطين صناعات السيارات والأجهزة المنزلية والمعدات وبناء السفن، بما يرفع الطلب على الصلب المسطح ويوسع قاعدة الاستهلاك الصناعى. ودعا فى التوصية الخامسة إلى تحقيق المساواة فى مستويات الحماية مع الدول الصناعية الكبرى، من خلال تعميق دراسة أوضاع صناعة الصلب والتجارة العالمية، ووضع الصناعة العربية على قدم المساواة مع الصناعات المتقدمة من حيث نطاق الحماية ومستوى الرسوم. وتتمثل التوصية السادسة فى إنشاء قطاعات متخصصة لصناعة الصلب داخل وزارات الصناعة العربية، تضم خبراء وممارسين للقطاع، بما يعزز التنسيق والتفاهم بين الحكومات والمنتجين، ويساعد على صياغة سياسات صناعية وتجارية أكثر استجابة لاحتياجات السوق.
- الحكومة تدرس إنشاء كيان مؤسسي جديد لـ«صناعة الصلب»
- رئيس الوزراء: نستهدف رفع فرص العمل بالقطاع الصناعي إلى 7 ملايين عامل
- لدعم الصناعة.. رئيس الوزراء: كيان مؤسسي جديد لتنسيق بين الحكومة ومنتجي الصلب في مصر
- انطلاق قمة الصلب العربي الـ 19 والمعرض الدولي للحديد اليوم
- برعاية رئيس الوزراء.. انطلاق فعاليات قمة الصلب العربي الـ 19 غداً الثلاثاء






