ليست مهمة الدراما، في رأيي، أن تعيد فتح ملف جريمة قديمة لتبحث عن قاتلها، ولا أن تقوم مقام الشرطة والنيابة والمحكمة، ولا أن تمنح الجمهور إجابة نهائية عن سؤال ظل معلقا لسنوات.. الدراما تفعل شيئا آخر أكثر أهمية، فهي تأخذ الحكاية من أوراق التحقيق ومن عناوين الصحف، وتعيد إليها ما فقدته وهي تتحول إلى خبر.. الإنسان.
وهذا تحديدا ما يجعل تجربة ما لم يحك عن بني مزار جديرة بالنقاش، بعيدا عن السؤال السهل الذي يطارد العمل منذ الإعلان عنه، هل عرفنا أخيرا من قتل هؤلاء الضحايا؟
لا أظن أن هذا هو السؤال الصحيح. القضية الأصلية، كما عرفها المصريون من الصحافة والإعلام، كانت مجموعة من الوقائع الصادمة.. جريمة قتل جماعي، ضحايا، مسرح جريمة غامض، متهم، اعترافات، دفاع، محاكمة، ثم براءة. وبعد ذلك بقيت القضية في الذاكرة باعتبارها واحدة من أكثر الجرائم غموضا، بينما تحولت الشخصيات نفسها إلى مجرد أسماء عابرة في ملف طويل.
وهنا تأتي الدراما. الصحافة مطالبة بأن تسأل ماذا حدث؟ متى حدث؟ من المتهم؟ ماذا قالت النيابة؟ ماذا قالت المحكمة؟ وما الأدلة؟ أما الدراما فتستطيع أن تسأل سؤالا مختلفا.. من كان هؤلاء الناس قبل أن يصبحوا ضحايا في جريمة؟
وهذه مساحة لا تستطيع الأخبار وحدها أن تملأها. فالخبر بطبيعته يسطح الشخصية. ليس لأنه يريد ذلك، ولكن لأن وظيفته مختلفة. حين نقرأ عن الضحية في تقرير صحفي، نعرف اسمه وعمره ومكان إقامته وربما مهنته وأفراد أسرته، ثم ننتقل إلى تفاصيل الجريمة. يتحول الإنسان تدريجيا إلى رقم في قائمة الضحايا.
أما الدراما فتمنحه فرصة ثانية للحياة. تجعله يمشي ويتحدث ويغضب ويخاف ويحب ويشك ويخطئ. تمنحه ماضيا وعلاقات وذاكرة. وتضعه داخل بيته، لا داخل محضر الشرطة فقط. نراه قبل الجريمة، لا باعتباره شخصا كان ينتظر أن يصبح ضحية، وإنما باعتباره إنسانا لا يعرف ما ينتظره بعد ساعات.
وهذا هو الفارق بين أن تعرف أن شخصا قتل، وأن تعرف من كان هذا الشخص. الأمر نفسه ينطبق على المحقق والمتهم وأهل القرية والجيران وكل من يمر في الحكاية. الصحافة تقدمهم وفق علاقتهم بالحدث، بينما الدراما تستطيع أن تقدمهم باعتبارهم شخصيات لها دوافعها وتناقضاتها ومخاوفها.
قد لا تضيف الدراما معلومة جديدة إلى ملف القضية، لكنها تضيف شيئا آخر لا يقل أهمية: المعنى الإنساني لما حدث. وهنا تصبح عبارة ما لم يحك عن بني مزار أوسع من فكرة وجود سر مخفي أو قاتل مجهول. ما لم يحك قد يكون ببساطة تلك التفاصيل الإنسانية التي لا توجد في أوراق القضية، لأن التحقيق لا يسأل عنها أصلا.
كيف كانت البيوت قبل تلك الليلة؟ كيف كانت العلاقات بين أهل القرية؟ كيف عاش الخوف بينهم؟ ماذا فعل الغموض في الناس؟ وكيف يمكن لجريمة لا تجد تفسيرا واضحا أن تتحول داخل مجتمع صغير إلى روايات وشائعات وأساطير؟ هذه الأسئلة هي ملعب الدراما الحقيقي.
ولهذا فإن محاكمة المسلسل على أساس أنه مطالب بتقديم الحقيقة القضائية قد تكون ظلما له، كما أن التعامل مع ما يقدمه باعتباره كشفا جديدا لحقيقة القضية قد يكون ظلما للحقيقة نفسها. الدراما ليست محكمة، لكنها تستطيع أن تجعلنا نفهم لماذا بقيت قضية مثل بني مزار حاضرة في الذاكرة كل هذه السنوات.
إنها لا تحتاج بالضرورة إلى أن تقول لنا من قتل. يكفي أحيانا أن تجعلنا نرى من كانوا الذين قتلوا، ومن عاشوا بعدهم، وكيف تركت الجريمة أثرها في المكان والناس والذاكرة. وهنا تكمن قيمة الدراما الحقيقية ليست في أن تحل اللغز، وإنما في أن تمنح اللغز حياة، وتمنح الشخصيات التي ابتلعتها الأخبار والصحف والملفات فرصة لأن تصبح مرة أخرى أشخاصا من لحم ودم. فربما يكون ما لم يحك عن بني مزار، ليس اسم القاتل. ربما يكون الإنسان.
- وزارة الداخلية: خلافات عائلية وراء واقعة الاعتداء على طالبة ببني سويف
- حكايات الجورنالجي مع نجوم الفن.. رحلة هيكل من كواليس «الريحاني» إلى دموع «عبد الناصر» وسر علاقته مع أم كلثوم وفاتن حمامة وخجله من ميمي شكيب
- تفسير رؤية التفاح الأحمر في المنام وعلاقتها بزيادة في المال
- الحرارة تتراجع والأمطار تظهر، الأرصاد تكشف خريطة طقس الأيام المقبلة
- إصابة 4 أشخاص في تصادم دراجتين ناريتين بسيارة ميكروباص ببني سويف


















0 تعليق