تجارة الأحلام، قرن من الإعلانات يحكي كيف تغيّر المصريون (فيديو وصور)

منذ ساعة

على جدران معرض «تجارة الأحلام» لا تبدو الإعلانات القديمة مجرد أوراق صفراء نجت من الزمن. بينها وجوه وملابس وبيوت ومنتجات وكلمات تكشف، إعلانًا بعد آخر، كيف كان المصريون يعيشون، وماذا كانوا يشترون، وما الذي كان السوق يقنعهم بأنه يستحق أن يحلموا به.

المعرض، المقام في  بحرم الجامعة الأمريكية بميدان التحرير، يقدم قرنًا من تاريخ الإعلان المطبوع في مصر، من 1880 إلى 1980، مستندًا إلى مشروع الباحثة والمصممة الدكتورة بهية شهاب وكتابها «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر»، الصادر عن دار نشر الجامعة الأمريكية بالقاهرة في مايو 2026.

يضم الكتاب أكثر من 350 إعلانًا جرى جمعها من الصحف والمجلات، بينما يحول المعرض هذا الأرشيف إلى تجربة بصرية تجمع الإعلانات بالمنتجات والأشياء المرتبطة بها، وتضعها داخل سياق زمني واجتماعي يكشف كيف تغيرت مصر وتغير معها سوقها وأذواقها.

ويستمر المعرض حتى 30 سبتمبر 2026.

66183b3b8f.jpg
a9962b6e25.jpg
a71c9157f7.jpg

لماذا نشتاق إلى إعلان قديم؟

ربما لأننا لا نشتاق إلى المنتج نفسه بقدر ما نشتاق إلى العالم الذي كان يحيط به.

لعبة قديمة يمكن أن تستعيد طفولة كاملة، وفستان يعيد صورة امرأة من زمن آخر، وعلبة صابون أو زجاجة مشروب قد تفتح ذاكرة بيت وشارع ولهجة وأشخاص لم يعودوا موجودين.

الإعلان يحتفظ بكل ذلك من دون أن يقصده بالضرورة. فهو يقول لنا، من خلال ما يبيعه، من كان المستهلك، وما الذي كان يعتبره جديدًا أو جميلًا أو فاخرًا أو ضروريًا.

وهكذا تتحول رحلة المعرض من تاريخ للسلع إلى قراءة في المجتمع نفسه.

1880–1900.. حين كانت الحداثة تأتي من الخارج

في أواخر القرن التاسع عشر، بدأت الصحافة المصرية تتحول إلى مساحة مهمة للإعلان، بينما كان السوق يجمع بين منتجات محلية وسلع أجنبية.

السجائر والتبغ، الأقمشة، المجوهرات، الأدوية والآلات الزراعية وغيرها ظهرت في صفحات الصحف. ويحتل التبغ مساحة لافتة، بينما جمعت إعلاناتها بين الأسلوب البصري الأوروبي ورموز مصرية مستمدة من النيل ومصر القديمة والفنون الإسلامية.

منذ البداية إذن، كان الإعلان يطرح سؤالًا أكبر من البيع: كيف تبدو مصر الحديثة؟

017f0254f0.jpg
17e6faba0e.jpg

1900–1920.. المنتج المصري يدخل المنافسة

مع بداية القرن العشرين، لم يعد الإعلان مساحة للمنتج الأجنبي وحده. بدأت الصناعة المحلية في تقديم نفسها بوصفها قادرة على المنافسة.

الطربوش والمنسوجات والأحذية وغيرها ظهرت في إعلانات تدافع عن المنتج المصنوع في مصر، وتضعه في مواجهة ما يأتي من الخارج.

وهنا تغيرت الرسالة: لم يعد السؤال فقط «ماذا أشتري؟»، وإنما «ماذا يعني أن أشتري مصريًا؟»

فالمنتج أصبح جزءًا من النقاش حول الهوية والصناعة والحداثة، وهي علاقة ستتطور بصورة أكبر في العقود التالية.

1920–1930.. المرأة والسينما على الصفحة

في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، أصبحت الإعلانات أكثر جرأة في استخدام الصورة والشخصيات العامة.

تدخل المرأة بقوة إلى المشهد، وتظهر الموضة ومستحضرات التجميل والمنتجات المنزلية، بينما تبدأ السينما والفن في التأثير على لغة الإعلان.

ظهور الفنانات والمشاهير لم يكن مجرد وسيلة لجذب الانتباه؛ بل كشف أيضًا عن تحول في صورة المرأة والمكانة التي بدأت تحتلها الثقافة الشعبية والسينما في الحياة المصرية.

الإعلان هنا لا يخبرنا فقط بما كانت النساء يشترينه، وإنما بالصورة التي كان المجتمع والسوق يرغبان في تقديمها للمرأة.

1930–1940.. مدينة تتغير وعادات استهلاك تتشكل

خلال الثلاثينيات، اتسعت دائرة المنتجات التي تصل إلى المستهلك عبر الإعلان: المشروبات، الأدوية، الملابس، السيارات، الترفيه والمنتجات المنزلية.

وأصبحت العلامة التجارية جزءًا من لغة اجتماعية جديدة فالمنتج لم يعد مجرد شيء يؤدي وظيفة، بل علامة على الذوق وطريقة الحياة والمكانة.

وبين إعلان وآخر، تظهر القاهرة كمدينة يتسع فيها الاستهلاك وتتغير فيها صورة البيت والشارع والمجتمع.

1940–1950.. العصر الذهبي للإعلان

في الأربعينيات، يصل الإعلان المصري إلى مرحلة أكثر نضجًا وتنوعًا. وتصف بهية شهاب هذه الفترة بأنها العصر الذهبي للإعلان المصري.

المجوهرات والملابس والسلع الفاخرة تتجاور مع إعلانات البنوك والمتاجر والسينما والمشروعات الصناعية. وتظهر أسماء مثل  مصر وكوكاكولا، بينما تحتل الأدوية ومستحضرات الصحة والجمال مساحة واسعة.

الإعلان في هذه الفترة لا يبيع السلعة منفردة؛ إنه يبيع معها أسلوب حياة: بيتًا أكثر راحة، مظهرًا أكثر أناقة، ومكانة اجتماعية مختلفة.

1950–1960.. مصر تعيد تعريف المنتج

مع التحولات التي شهدتها مصر في الخمسينيات، تغيرت السوق وتغيرت معها لغة الإعلان.

برزت الصناعة المحلية بصورة أكبر، وتراجعت مساحة بعض السلع الأجنبية الفاخرة، وظهرت صور العامل والفلاح والأسرة والمنتج المصري.

أصبح الإعلان أكثر اتصالًا بفكرة الإنتاج، وأصبح شراء المنتج المحلي مرتبطًا بصورة الاقتصاد والصناعة الوطنية.

وفي هذه المرحلة، يتغير حتى معنى «الباشا» داخل الحكاية؛ من رمز للامتياز والثراء إلى شخصية تدخل في عالم الزراعة والصناعة والمشروعات.

f22e3b5751.jpg
ca02733cac.jpg
46cfe7af95.jpg
ee59871991.jpg

1960–1970.. الإعلان في زمن القطاع العام

في الستينيات، ومع توسع القطاع العام وتغير طبيعة السوق، ظهرت علامات ومنتجات محلية 

تغيرت الصور المستخدمة في الإعلانات، فبرز العمل والإنتاج والأسرة والحياة اليومية، بينما تراجعت بعض مظاهر الرفاهية التي ميزت إعلانات عقود سابقة.

لم يعد الإعلان يعكس فقط ما يستطيع المستهلك شراءه، بل أصبح يعكس أيضًا نوع المجتمع الذي تتحدث باسمه الدولة والسوق.

1970–1980.. عندما انتقل الإعلان من الورق إلى الشاشة

مع السبعينيات والانفتاح الاقتصادي، عادت المنتجات الأجنبية إلى السوق، وعادت معها لغة استهلاكية أكثر تنوعًا.

لكن التحول الأكبر لم يكن في المنتجات وإنما في الوسيط نفسه.

التليفزيون دخل بقوة إلى البيوت، ومنح الإعلان شيئًا لم تكن الصفحة المطبوعة قادرة على تقديمه: الحركة والصوت واللون والموسيقى.

وبدأ الإعلان ينتقل تدريجيًا من الورق إلى الشاشة، لتقترب نهاية عصر كانت فيه الصحيفة والمجلة أهم نافذة يرى المصري من خلالها ما يريد أن يشتريه.

إنها طريقة أخرى لقراءة القرن: ليس من خلال السنوات وحدها، وإنما من خلال الأشخاص الذين عاشوا تلك التحولات واستهلكوا منتجاتها.

ربما يكون أكثر ما يلفت النظر في الإعلانات القديمة أنها تجعل الحنين شخصيًا حتى لو لم نعش زمنها.

نحن لا نتذكر اللعبة وحدها، بل الطفل الذي كان يلعبها. لا نشتاق إلى الفستان فقط، بل إلى صورة المرأة التي ارتدته. ولا نرى زجاجة مشروب قديمة باعتبارها سلعة، وإنما كجزء من بيت وشارع ولغة ووقت مضى.

لهذا تبدو «تجارة الأحلام» أقل شبهًا بمعرض للإعلانات وأكثر شبهًا بأرشيف بصري لذاكرة مصر؛ مائة عام تتغير فيها المنتجات، وتتغير معها صورة الإنسان، والبيت، والرفاهية، والذوق، وما يعتقد الناس أنه يستحق أن يحلموا به.

✎

فريق تحرير المصطبة نيوز

فريق التحرير في المصطبة نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق