خانقاه بيبرس الجاشنكير.. سبعة قرون بين السلطان والصوفيين والإهمال (فيديو وصور)

منذ ساعة

في قلب الجمالية، خلف حركة الشارع وضجيجه، تقف خانقاه بيبرس الجاشنكير بواجهة حجرية وقبة ومئذنة تحمل ملامح العمارة المملوكية في بدايات القرن الثامن الهجري. 

المبنى يعود إلى أكثر من سبعة قرون، تختبئ داخله طبقات متراكمة من تاريخ القاهرة؛ من دار الوزارة الفاطمية، إلى السلطان المملوكي بيبرس الجاشنكير، وصولًا إلى واقع مختلف تمامًا يعيشه المكان اليوم.

فالزائر لا يدخل إلى أثر محفوظ في حالة مثالية. في الداخل تظهر أخشاب وكراكيب، وتحتاج أجزاء من المكان إلى التنظيف والترتيب، بينما ينتشر الحمام في الصحن، وتستخدم بعض المساحات للنوم من جانب أطفال من أطفال الشوارع وأشخاص بلا مأوى.

بينما تحمل الجدران ذاكرة مؤسسة صُممت للإقامة والعبادة والطعام والتعليم، يكشف المشهد الراهن عن أثر ترك الزمن بصمته عليه.

71b12e29ef.jpg
a0e07bf84d.jpg
7b9acfe475.jpg
d802de9dd0.jpg
e4c081807f.jpg
201b07785b.jpg
55cb3b307f.jpg

من «جاشنكير» إلى سلطان

يرتبط اسم الخانقاه بركن الدين بيبرس الجاشنكير، أحد رجال الدولة المملوكية الذين تدرجوا في المناصب حتى وصل إلى السلطنة.

أما لقب «الجاشنكير» فأصله فارسي، وارتبط بوظيفة تذوق طعام السلطان للتأكد من سلامته. خدم بيبرس في عهد السلطان المنصور قلاوون، ثم ارتقى في الجهاز العسكري والإداري للدولة، حتى أصبح أميرًا كبيرًا.

بدأ إنشاء الخانقاه عام 706هـ/1306م، عندما كان بيبرس أميرًا، واكتمل بناؤها عام 709هـ/1309م، بعد وصوله إلى عرش مصر.

لكن السلطنة نفسها لم تدم طويلًا. عاد الناصر محمد بن قلاوون إلى الحكم بعد فترة قصيرة، وانتهى عهد بيبرس بالقبض عليه وقتله.

أما المبنى الذي ارتبط باسمه، فبقي شاهدًا على مرحلة قصيرة من حياته السياسية وطويلة من تاريخ القاهرة.

8659ef6d42.jpg

دار الوزارة الفاطمية تحت العمارة المملوكية

أقيمت الخانقاه على جزء من دار الوزارة الفاطمية الكبرى، لتصبح العمارة الجديدة طبقة أخرى فوق موقع سبقتها إليه دولة أقدم.

وهذه واحدة من السمات التي تجعل القاهرة التاريخية مختلفة؛ فالعصور لا تمحو بعضها دائمًا، وإنما تترك أجزاء منها داخل المباني اللاحقة، أحيانًا في شكل حجر معاد الاستخدام أو عنصر معماري نجا من زمنه الأصلي.

وفي خانقاه بيبرس يظهر هذا التداخل عند المدخل مباشرة.

b410c67318.jpg

عتبة من عصر رمسيس التاسع

من أكثر عناصر الخانقاه إثارة للانتباه كتلة حجرية فرعونية مستخدمة كعتبة للمدخل، تحمل نقوشًا هيروغليفية ومناظر مرتبطة بالملك رمسيس التاسع من الأسرة العشرين.

وهكذا يعبر الزائر فوق قطعة من تاريخ مصر القديمة قبل أن يدخل إلى مبنى مملوكي شُيد بعد ذلك بقرون طويلة.

المدخل نفسه يحمل تفاصيل معمارية مميزة؛ مقرنصات وزخارف رخامية، وباب مكسو بصفائح نحاسية ذات زخارف هندسية، في مشهد يجمع بين إعادة استخدام الحجر القديم ودقة الصناعة المملوكية.

خانقاه لم تكن مسجدًا فقط

الاسم نفسه يكشف وظيفة المكان.

فالخانقاه كانت مؤسسة لإقامة الصوفية المنقطعين للعبادة والزهد، ولم تكن وظيفتها مقتصرة على الصلاة. خُصصت الخانقاه لإقامة أعداد كبيرة من الصوفية، وتوفير الخلاوي والطعام، إلى جانب الأنشطة الدينية والتعليمية.

dc913d3f2e.jpg
7293cb13e5.jpg
9a8dc029ef.jpg

كانت الخلاوي توفر أماكن للإقامة والخلوة، بينما ارتبط بالمؤسسة مطبخ ومرافق لخدمة المقيمين، واعتمد استمرارها على أوقاف خصصها بيبرس للإنفاق عليها.

لذلك فإن صورة الخانقاه في زمنها لم تكن لمبنى ساكن، بل لمؤسسة يعيش داخلها عشرات ومئات الأشخاص، ولكل جزء فيها وظيفة.

758f5d20d8.jpg

صحن داخلي يعزل المكان عن الشارع

يختلف المشهد داخل الخانقاه عن واجهتها الخارجية.

يقود المدخل إلى صحن مكشوف تحيط به الإيوانات، ويبرز إيوان القبلة بينها، بينما تتوزع الخلوات في أجزاء المبنى وطوابقه.

ويمنح هذا التكوين الداخل قدرًا من العزلة عن الشارع؛ وهو ما يتناسب مع طبيعة المكان الذي أُنشئ للعبادة والإقامة والانقطاع.

لكن الحالة الراهنة تفرض على المشهد طبقة أخرى.

تظهر في أجزاء من المبنى أخشاب وأشياء متراكمة، إلى جانب الحاجة إلى التنظيف والترتيب، بينما يحتل الحمام مساحة واضحة من الصحن. وفي بعض الأركان يجد أشخاص بلا مأوى وأطفال من أطفال الشوارع مكانًا للنوم.

وجودهم داخل الأثر لا يمكن فصله عن واقع المكان المحيط به؛ فالمبنى التاريخي أصبح، في بعض أجزائه، مساحة يستخدمها من لا يملكون مساحة أخرى.

مئذنة قصيرة وقبة للسلطان

من الخارج، تبدو المئذنة من أكثر عناصر الخانقاه تميزًا. فهي قصيرة وعريضة نسبيًا، وتنتهي بتكوين يشبه المبخرة، بينما تظهر عليها بقايا زخارف وبلاطات خضراء.

أما القبة، فتعلو ضريح بيبرس الجاشنكير وتشكل عنصرًا بارزًا في الواجهة.

وجود الضريح داخل الخانقاه يربط بين وظيفة المكان الدينية وبين تقاليد العمارة المملوكية التي جمعت في كثير من الأحيان بين المنشأة الدينية والمدفن.

أثر تغيّر عليه كل شيء إلا الحجر

مرّ المكان بتحولات سياسية ووظيفية منذ إنشائه.

بعد سقوط بيبرس، أغلقت الخانقاه لفترة، وأزيل اسمه من بعض الكتابات المرتبطة بالمبنى، قبل أن تعود إلى العمل لاحقًا.

ومع مرور القرون تغيرت القاهرة من حولها، وتغيرت احتياجات سكانها، بينما بقيت عناصر كثيرة من المبنى قائمة.

اليوم، لا يحتاج الزائر إلى تخيل الفرق بين الماضي والحاضر؛ الفارق موجود أمام عينيه.

في المكان نفسه الذي كان الصوفي يجد فيه مأوى وخلوة وطعامًا، ينام اليوم أشخاص بلا مأوى. وفي الصحن الذي صُمم ليكون قلب المؤسسة، تتراكم بعض الأشياء وتنتشر الطيور، بينما تحتاج أجزاء من المبنى إلى عناية مستمرة.

حين يصبح الأثر جزءًا من المشكلة الاجتماعية

المشهد الحالي يفتح سؤالًا يتجاوز حدود الترميم.

كيف يمكن الحفاظ على مبنى أثري ذي قيمة تاريخية، في الوقت الذي أصبح فيه جزء منه مستخدمًا لأغراض فرضها الواقع الاجتماعي؟

فالحديث عن تنظيف المبنى أو ترميمه وحده لا يجيب عن كل ما يحدث داخله. وجود أطفال من الشوارع وأشخاص بلا مأوى يحتاج إلى معالجة اجتماعية، بينما حماية المبنى تحتاج إلى إدارة وصيانة ومتابعة.

والجمع بين الأمرين هو التحدي الحقيقي؛ لأن إخراج المشكلة من المكان لا يعني بالضرورة حلها، كما أن تركها داخله يعرّض الأثر لمزيد من التدهور.

سبعة قرون في مكان واحد

تختصر خانقاه بيبرس الجاشنكير جانبًا من طبيعة القاهرة التاريخية: مكان واحد يحمل آثار أكثر من عصر، من الحجر الفرعوني عند المدخل، إلى العمارة المملوكية، إلى قصة سلطان لم يطل حكمه، ثم قرون من التحولات التي غيرت وظيفة المكان ومحيطه.

اليوم، لا تزال القبة قائمة، والمئذنة شاهدة، والنقوش موجودة، والعتبة الفرعونية تعبر بالزائر من عصر إلى آخر.

لكن الصورة الحالية تضع أمام المدينة مسؤولية مختلفة: ألا يتحول حفظ الآثار إلى مجرد الاحتفاظ بجدران قائمة، بينما تتراجع العناية بالتفاصيل التي تجعل المكان صالحًا للزيارة والحياة.

خانقاه بيبرس الجاشنكير ليست مجرد مبنى قديم في الجمالية؛ إنها وثيقة حجرية عن القاهرة، وما يحدث داخلها اليوم هو أيضًا جزء من قصة المدينة المعاصرة.

سبعة قرون مرت على المكان، وما زال واقفًا؛ لكن السؤال الآن ليس فقط كيف نقرأ تاريخه، وإنما كيف نتركه للأجيال القادمة.

✎

فريق تحرير المصطبة نيوز

فريق التحرير في المصطبة نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق