تجدر الإشارة إلى أننا لو تأملنا التجارب السينمائية العالمية، سنلحظ كيف تحول الموروث فيها إلى عنصر رئيس وثابت لا يمكن عزله عن العمل. في "بوليوود" مثلا، لا يقدم الأداء التقليدي بوصفه عنصرا ترفيهيا عابرا، بل جزء أصيل من السرد، يحمل في ثناياه الثقافة ويعكس الهوية، حتى أصبح علامة فارقة تميزها وتصدر من خلالها صوتها إلى العالم. قد يتراءى للبعض أن المقارنة هنا ليست في محلها، باعتبار الأداء التقليدي جزءا متجذرا في الثقافة الهندية، بينما يختلف السياق الثقافي في بيئتنا. غير أن جوهر الطرح يكمن أكثر ما يكمن في فهم الفكرة، فالموروث لا يختزل في أداء الرقصات التقليدية، بل يتجلى في تفاصيل أعمق كإتقان اللهجات، والزي، والطقوس الثقافية والاجتماعية، وأنماط العيش المختلفة، إلى ذلك فإن الفكرة تتمحور في كيفية تقديم موروثنا ضمن الأعمال الدرامية بشكل أساسي وليس خيارا إضافيا. وهذا يتضمن تكريس هذا الموروث بالفهم العميق له، وإعادة صياغته وبلورته بأساليب حديثة تتناغم مع بنية السرد وتطوره.
وتأسيسا على ذلك، تبرز الحاجة لوجود مرجعية إبداعية أو لجان تطوير نصوص لمراجعة الأعمال الدرامية وتنقيحها بما يتسق ويتماهى مع هذا الغرض ليس فحسب لجهة الحبكة أو البناء الدرامي، بل على مستوى حضور الهوية الثقافية في متن النص. بحيث لا يترك الموروث لاجتهادات فردية وتخرصات أو ربما معالجات أقل ما يقال عنها سطحية، بل يدمج كعنصر أساسي في البناء السردي، ينعكس في الشخصيات، والبيئة، والحوار، وأدق التفاصيل البصرية.
وأخيرا، لا تكمن أزمة الدراما في قلة الإمكانات، ولا في ندرة المواهب، بل في غياب الرؤية التي تدرك أن الهوية ليست خيارا جماليا بل قاعدة يبنى عليها. فالأعمال التي تعيش طويلا، ليست تلك التي تلاحق السوق، بل التي تشبه بيئتها، وتعبر عن أجيالها، وتحمل موروثها. وحين نعي ذلك، لن نحتاج إلى البحث عن "ما ينقصنا" بقدر البدء بإعادة اكتشاف ما نملكه أصلا، لأن الحكايات التي لا تنبع من جذورها، لا تثمر أثرا، ولا تمكث طويلا.
- صالون الثقافة الجماهيرية يناقش الوعي والمواطنة وتأصيل الهوية بمنفلوط فى أسيوط
- الأزياء.. تعبير ثقافي محل الحفاوة
- "الأدب والهوية الثقافية في عصر الذكاء الاصطناعي" بالعدد الجديد من مجلة مصر المحروسة
- لقاء ثقافي في تبوك يناقش دور اللغة العربية في تعزيز القوة الناعمة الثقافية
- نملك موروثا غنيا.. لكن هل نحسن إدارته؟






