الامتثال كالتزام نظامي: التحول الجديد في مكافحة غسل الأموال

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الامتثال كالتزام نظامي: التحول الجديد في مكافحة غسل الأموال, اليوم الاثنين 20 أبريل 2026 02:49 صباحاً


لم يعد نظام مكافحة غسل الأموال في صورته المعدلة مجرد إطار عقابي يستهدف الفعل المجرم بعد وقوعه، بل تحول إلى منظومة وقائية متكاملة تعنى بإدارة المخاطر قبل تحققها، ومن ثم فإن جوهر التعديل يكمن في نقل مركز الثقل من ملاحقة الجريمة إلى منع نشأتها. وبناء على ذلك، لم يعد كافيا أن يثبت الشخص أو المنشأة خلو سلوكها من القصد الجنائي، بل أصبح لزاما عليها أن تثبت قيامها بواجبات الامتثال المقررة نظاما، وإلا عد ذلك إخلالا يرتب مسؤولية مستقلة.

ومن جهة أخرى، فإن التعديلات الأخيرة وسعت نطاق الجهات الخاضعة لأحكام النظام، بحيث لم يعد الالتزام مقتصرا على المؤسسات المالية، بل امتد ليشمل المهن القانونية والتجارية، كالمحامين والمحاسبين والمسوقين العقاريين، وذلك نظرا لدورهم المباشر أو غير المباشر في تمرير العمليات المالية أو تكييفها تعاقديا. وبالتالي، فإن هذه الفئات لم تعد في موقع الحياد، بل أصبحت جزءا من منظومة الرقابة النظامية، الأمر الذي يفرض عليها واجبات محددة تتجاوز حدود الاختصاص المهني التقليدي.

وعلاوة على ذلك، فقد أقر التعديل التزاما صريحا بوضع سياسات وإجراءات داخلية فعالة، تشمل التحقق من هوية العملاء (KYC) وتقييم المخاطر المرتبطة بالعمليات، وهو ما يعني أن النظام لم يعد يعاقب الفعل فقط، بل يعاقب غياب الوقاية أيضا. إذ إن عدم وجود هذه السياسات أو ضعف تطبيقها يعد قرينة على التقصير، حتى في حال عدم ثبوت وقوع جريمة غسل الأموال فعليا، الأمر الذي يعكس توجها نظاميا نحو تحميل المنشآت مسؤولية بيئتها التنظيمية.

وفي السياق ذاته، شددت التعديلات على واجب الإبلاغ عن العمليات المشبوهة، حيث أوجبت المبادرة الفورية بالإبلاغ دون تنبيه العميل، وهو ما يفهم منه أن السكوت لم يعد موقفا محايدا، بل يفسر نظاما على أنه إخلال بواجب الحيطة. ومن ثم، فإن الامتناع عن الإبلاغ في ظل وجود مؤشرات اشتباه يمكن أن يرتب مسؤولية قائمة بذاتها، لا سيما إذا ثبت أن المهني كان في موقع يمكنه من إدراك هذه المؤشرات.

كما يبرز من خلال قراءة التعديل أن النظام قد تبنى مفهوم المسؤولية التنظيمية إلى جانب المسؤولية الجنائية، بحيث لم يعد الركن المعنوي القائم على القصد شرطا وحيدا للمساءلة، بل يكفي تحقق الإهمال أو التقصير في أداء الالتزامات النظامية. وبناء عليه، فإن المدير أو المسؤول الذي يهمل في بناء نظام امتثال فعال، أو يتقاعس عن تفعيل آليات الرقابة، قد يسأل نظاما ولو لم يثبت تورطه في فعل الغسل ذاته، وهو ما يمثل تحولا نوعيا في فلسفة التجريم.

ومن ناحية أخرى، تثير هذه التعديلات إشكالية دقيقة تتعلق بالسرية المهنية، خاصة في مهنة المحاماة، إذ يبدو للوهلة الأولى وجود تعارض بين واجب الحفاظ على أسرار العميل وواجب الإبلاغ عن العمليات المشبوهة، إلا أن الاتجاه النظامي يميل إلى ترجيح مقتضيات الامتثال عند قيام شبهة جدية، وذلك باعتبار أن حماية النظام المالي تقدم على مصلحة الفرد في الكتمان.

خلاصة القول، فإن التعديلات الأخيرة على نظام مكافحة غسل الأموال تؤسس لمرحلة جديدة قوامها تحميل جميع المتعاملين مع المال مسؤولية مشتركة في حمايته من الاشتباه، بحيث لم يعد الامتثال خيارا تنظيميا، بل أصبح التزاما قانونيا يبنى عليه الحكم بالمسؤولية. وعلى هذا الأساس، فإن نجاح المنشآت والمهنيين في تجنب المساءلة لم يعد مرهونا بسلامة نواياهم، بل بقدرتهم على إثبات التزامهم الفعلي بإجراءات الوقاية والرقابة التي أوجبها النظام.

expert_55@

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق