لماذا بكى السوريون في حفل أصالة؟

القدس العربي 0 تعليق ارسل طباعة
حجم الخط

التقيت المطربة أصالة عام 2012 كنت أحد الأشخاص الذين تواصل معهم الزميل الإعلامي والشاعر الراحل حكم البابا، والإعلامية إيلاف ياسين، للتواصل مع فنانين وكتاب للمشاركة في تظاهرة «وطن يتفتح في الحرية: كتاب وفنانون مع الثورة». حضرت الحفل حينها شخصيات عربية عديدة وقدّمت التظاهرة صورة بديعة عن تفاعل الكتاب والفنانين السوريين والعرب مع الثورة السورية ومثّلت ميزان قوة ناعمة هائل مضاد لنظام بشار الأسد.
تسبّبت «رجعة أصالة عالشام» (كما قالت إحدى أغنياتها التي ألقتها في حفل دمشق) في هزة وجدانية عميقة للسوريين. اعترف كثيرون ببراءة وصدق أنهم بكوا، وبدا وكأن الحفل كان تيّارا كهربائيا مسّ نسبة هائلة من السوريين في مكامنهم فشعّوا مثل وشيعة، وتوافقوا على أمر رغم اختلافاتهم السياسية والمناطقية، وحتى في مواقفهم من السلطة الجديدة.
أكثر ما يلفت في النصوص المتكاثرة التي وصفت الواقعة أن الناس لم يكونوا يصفون حفلا وقع في مساء أيلول/ سبتمبر 2026، فقد بدا أن المناسبة ضغطت فجأة خمسة عشر عاما من الزمن داخل ساعتين، فاندفع العديدون للبكاء، مواجهين الكوارث الشخصية والعامة التي مرّت بهم بالحنين إلى زمن وأمكنة وأشخاص وروائح فجّرها الغناء.

البكاء كتفريغ لتناقض مستحيل

لدى ريم فاضل، استحضرت عودة أصالة سلسلة تذكّرات منذ لحظة خروجها من السجن، إلى محاولة الهرب من البلاد، فاعتقال أبيها على الحدود، والتحقيق معها على الحاجز، وتفكير أمها في الانتحار إذا لم تعد، ثم خروجها من سوريا التي لم ترها منذ أحد عشر عاما. لخّصت فاضل عودة المطربة بقولها «كأني أنا رجعت». أما حازم ناصر فصوّر تسلسل مشاعر أخرى فجّرها الحفل. يقول إنه تجنب في منفاه أصوات المغنين الذين يحبهم لأنه لم يرد لها ان ترتبط بأماكن الغربة بدلا من سوريا، ثم، أثناء الحفل، شعر بأن «جزءا» منه عاد. لم يكن المنفى، بالنسبة للسوريين، فقدانا للمكان فقط، بل جسّد اضطرابا للعلاقة بين المكان والذاكرة والزمن، وعليه فقد بدت لحظة أصالة المفارقة، كجسر يسمح فجأة بطيّ المسافة بين سوريا ما قبل 2011 وسوريا 2026. لقد بكى سوريون كثيرون الزمن المفقود الذي فتحه الحدث. كان البكاء أيضا تفريغا لتناقض مستحيل: الحزن والفرح في اللحظة نفسها.
تقدّم نينار عمران المثال الأكثر إدهاشا. ارتبط صوت أصالة لديها في 2011 بصوت التعذيب داخل فرع الأمن، واحتاجت سنوات حتى تستطيع فصل المغنية عن ذلك الصوت واستعادة بعض أغانيها. سمح الحدث بانفعالات كان السوري مضطرا لإبقائها منفصلة، وربما كان هذا واحدا من مفاتيح أثر اللحظة وفاعلية البكاء. تتخيل إحدى المعلقات شخصا ميتا «يطير فرحا» لو عاش لرؤية الحفل. الحفل بهذا المعنى، كان أيضا طقس حداد.
أحد التفسيرات الأخرى الممكنة هي أن الحفل قدّم لأول مرة لكثير من السوريين «صورة محسوسة» للنهاية. قد يعرف الإنسان أن نظاما سقط، ويشاهد الأخبار والبيانات والصور، لكن المعرفة السياسية لا تتحوّل بالضرورة فورا إلى تجربة وجدانية فهذا أمر مختلف تماما. سمعت كثيرين يقولون إنهم شعروا الآن «فعلا» أن النصر على نظام الأسد حصل (على حد تعبير الكاتب والإعلامي محمد منصور: «فرحة التحرير ولدت من جديد»).

سقوط النظام: من الرأس إلى الجسد

تخلق الحروب والثورات الطويلة، بهذا المعنى، نوعا من التأخر العاطفيّ. تنتهي مرحلة تاريخية، لكن الجهاز النفسي يبقى في المرحلة السابقة، والشخص الذي عاش خمسة عشر عاما ينتظر، خائفا، ومهزوم التوقعات، لا يستطيع دائما الانتقال في اليوم التالي للإحساس بالنصر… ثم يأتي حدث رمزي صغير نسبيا ويقوم بما لم تستطع الوقائع السياسية الكبرى القيام به: يحوّل التاريخ إلى إحساس جسدي.
عودة الفنانة (التي أعلنت زميلتها ميادة الحناوي على الشاشة التلفزيونية قبل سنوات إنها «ممنوع أن تعود») إلى مسرح في دمشق، ووقوف آلاف الأشخاص أمامها، والهتاف بما كان مستحيلا قوله في ذلك المكان قبل سنوات، يمكن ان يجعل «سقوط النظام» ينتقل من الرأس إلى الجسد. هناك أدلة علمية على ان الغناء الجماعي والموسيقى الإيقاعية المتزامنة يزيدان الشعور بالتقارب والانتماء، وهناك أدبيات تربط الموسيقى بآليتين: التزامن بين الأجساد وبانخفاض الإحساس بالحدود بين الذات والآخر. نجحت أصالة في خلق طبقة إضافية، فالناس لم يكونوا يغنّون أي أغنية: كانوا يغنون مخزونا مشتركا من الأصوات واللهجات والإيقاعات السورية.
حوّل «الألبوم السوري» الذي قدّمته المطربة التنوع الجغرافي لأربع عشرة محافظة إلى تسلسل موسيقي واحد. عرّفتني الثورة، كما فعلت مع غيري، إلى مئات الكتاب والصحافيين والساسة، وفتحت أبواب اللهجات والأغاني والأطعمة والتراث. استغرقنا وقت كثير للتعرّف إلى السوري «الآخر»، وفي ما تطلب السياسة منا أن نتفق أو نختلف مع الآخر، فإن الموسيقى، تمكنت، في بضع دقائق، أن تكثّف هذا بحيث نتنفس ونصفق ونتحرك مع نظرائنا قبل أن نتفق معهم.

بروفة عاطفية للوطن

أحد التفسيرات التي أجدها ممكنة هي قصة أصالة نفسها باعتبارها استعارة لقصة سوريا. ولدت أصالة، مثل سوريا، بإعاقة جسيمة. إعاقة أصالة (كساح الأطفال) كانت صدفة طبيعية أما إعاقة سوريا فقد صنعها نظام الأسد. تذكّر «إعاقة سوريا» بالعادة الصينية القديمة التي كانت تبقي أقدام الإناث محبوسة داخل قالب يمنعها من النموّ، باعتبار أن صغر القدم هو خصلة جمالية. وضع نظام الأسدين، سوريا في قالب حديدي لأكثر من خمسين عاما بحيث شوّه ملامحها، وطبيعتها، وتاريخها، واجتماعها وصولا إلى إرثها الثقافي وغنائها وموسيقاها. تزوجت أصالة أربع مرّات، وقد أشارت في الحفل، إشارات خفيّة، إلى إعاقتها، وإلى وقوفها عالية بعد كل وقعة، وإلى سوء معاملتها من أزواجها السابقين، وخصوصا زوجها الأول الذي تنوقل أنه كان يعنّفها. شهد «زواج» سوريا بـ»الأب القائد» ما يصعب وصفه من فظاعات تواصلت وضوعفت مئات المرات خلال الثورة. يحمل موقف أصالة من الثورة، منذ انطلاقتها، بهذا المعنى، طابعا شخصيا، كما هو الأمر بالنسبة لنسبة كبرى من السوريين. كانت الثورة كسرا مع أشكال التعنيف والتعذيب والتشويه والتأطير الشخصية والعامة. كسرت موهبة أصالة الإعاقة الجسدية، والسياسية، وبعودتها إلى سوريا، تضافرت القصة الشخصية مع العامة، بشكل غير مسبوق، وهو شعور تشاركته مع ملايين السوريين.
ضغط الحفل، بهذا المعنى، المشاعر الشخصية والعامة، وقدّم «بروفة عاطفية للوطن»، فسوريا السياسية ما زالت متصدعة: انقسامات سياسية وطائفية وجغرافية، شتات كبير في المنافي، وذكريات متعارضة، وصراعات على معنى الثورة وعلى شكل الدولة الجديدة، لكن في الحفل حدث شيء مختلف، فإدلب جاءت مع السويداء، واللاذقية بجانب درعا، والدلعونا بجانب أغنية الجزيرة، والمحجبة وغير المحجبة ترقصان، والمقيم في سوريا والمنفيّ يتابعان عبر الشاشة والانترنت. جرّب السوريون شعور سوريا موحدة وشهدوا تجربة عاطفية للبلاد التي يريدونها.

كاتب من أسرة «القدس العربي»

أخبار ذات صلة

0 تعليق