موريتانيا أمام سؤال الحصيلة: أين انعكس مبلغ 1,64مليار دولار من تمويلات البنك الدولي؟

منذ ساعة

عبد الله مولود

نواكشوط –«القدس العربي»:  لم يكن الرقم وحده هو الذي أشعل الجدل في موريتانيا، بل المفارقة التي حملها: ففي سبع سنوات فقط حصلت البلاد على تمويلات من البنك الدولي تفوق، بالقيمة الاسمية، مجموع ما حصلت عليه من المؤسسة نفسها خلال نحو ستة عقود، من الاستقلال عام 1960 وحتى منتصف عام 2019.
وتحولت هذه المقارنة سريعاً إلى سجال سياسي واقتصادي، بين معارضة رأت فيها رقماً يستوجب مساءلة الحكومة عن حجم الاقتراض ومصير الأموال وأثرها التنموي، وموالاة تقول إن المقارنة مضللة لأنها تخلط بين التمويلات والديون، وتتجاهل المنح وتغير قيمة الدولار وتوسع الاقتصاد وتراجع نسبة الدين إلى الناتج المحلي؛ ودخلت منظمات المجتمع المدني على الخط، مركزة على قضية الحوكمة والشفافية وكفاءة استخدام التمويلات. وبدأت القضية بعد نشر البنك الدولي لبيانات تؤكد أن مجموع التمويلات التي منحها لموريتانيا منذ الاستقلال وحتى 31 أغسطس/آب 2026 بلغ نحو 3.27 مليار دولار، موزعة على 112 عملية ومشروعاً.
وبحسب الأرقام التي فجرت النقاش، حصلت موريتانيا بين 2019 و2026 على نحو 1.64 مليار دولار، مقابل 1.63 مليار دولار خلال الفترة من 1960 وحتى يونيو/حزيران 2019، تاريخ انتخاب الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني.
وكشفت الأرقام تسارعاً لافتاً في التمويلات منذ 2020؛ فبعد انتهاء السنة المالية 2019 بالتزامات جديدة لم تتجاوز 22.5 مليون دولار لمشروعين، تجاوزت التمويلات 290 مليون دولار في كل من العامين التاليين، مدفوعة خصوصاً باستجابة البنك لجائحة كوفيد-19.
وتراجعت التمويلات إلى 92 مليون دولار عام 2022، قبل أن ترتفع إلى 125 مليوناً في 2023، ثم 271 مليوناً عام 2024، وتسجل مستوى قياسياً بلغ 325 مليون دولار عام 2025، فيما وصلت خلال 2026 إلى نحو 231 مليون دولار.
غير أن قراءة مبلغ 1.64 مليار دولار باعتباره ديوناً جديدة بالكامل ليست دقيقة؛ فالبنك الدولي يوضح أن الرقم يمثل تمويلات تمت الموافقة عليها، تشمل أساساً قروضاً ميسرة طويلة الأجل مقدمة عبر المؤسسة الدولية للتنمية، إلى جانب منح، ولا يعني أن المبلغ دخل خزينة الدولة دفعة واحدة، كما لا يمثل رصيد الدين القائم.
وتفيد البيانات بأن موريتانيا سددت للبنك الدولي حتى 31 أغسطس/آب 2026 نحو 788 مليون دولار، بينما يبلغ رصيد مديونيتها له قرابة 651 مليون دولار.
والتقطت المعارضة المفارقة الرقمية سريعاً، حيث كتب النائب محمد بوي الشيخ محمد فاضل أن موريتانيا استدانت، بحسب تعبيره، 1.63 مليار دولار خلال ستين عاماً، مقابل 1.64 مليار خلال السنوات السبع الأخيرة، ملخصاً المقارنة بالقول: «9 أنظمة في 60 سنة = 1.63 مليار دولار، نظام واحد في 7 سنين = 1.64 مليار دولار»، واصفاً الأرقام بأنها «مخيفة».

المعارضة تسأل عن الحصيلة والموالاة تدافع والجدل يشتعل

وذهب النائب المعارض محمد الأمين سيدي مولود في الاتجاه نفسه، رابطاً بين حجم التمويلات ومستوى الإنجازات والخدمات العمومية، ومتسائلاً عن الحصيلة التنموية المقابلة لها.
أما الإعلامي البارز الهيبة الشيخ فنقل النقاش من حجم التمويل إلى وجهة الأموال، مطالباً الحكومة والبنك الدولي بتحديد المشاريع التي وجهت إليها التمويلات، وما يعنيه البنك مثلاً بتمويل «الحماية الاجتماعية»، وما هي المشاريع الممولة في قطاع الطاقة، معتبراً أن الإجابات المحددة وحدها تسمح بقياس أثر التمويلات وفعاليتها.
ودخلت منظمة «الشفافية الموريتانية الشاملة» غير الحكومية على خط الجدل، مؤكدة أن المقارنة المتداولة تتطابق، وفق قراءتها، مع بيانات البنك الدولي، وأن تمويلات السنوات السبع الأخيرة البالغة 1.64 مليار دولار تزيد قليلاً على تمويلات الفترة من الاستقلال إلى منتصف 2019.
لكن المنظمة نقلت النقاش إلى زاوية أخرى، مشيرة إلى أن احتياطيات موريتانيا المكتشفة من الغاز والذهب عززت قدرتها على الاقتراض من مؤسسات التمويل.
وحذرت في المقابل مما وصفته بـ»الاقتراض المفرط»، معتبرة أنه يمثل توجهاً سلبياً إذا جرى في بيئة تعاني، وفق تقييمها، من انتشار الفساد و»تكريس الإفلات من العقاب للمفسدين المتنفذين».
ويضيف هذا الموقف بعداً رقابياً إلى القضية، إذ يطرح سؤال قدرة المؤسسات على تحويل القروض والمنح إلى أصول وخدمات عامة ذات أثر قابل للقياس، وليس مجرد القدرة على تعبئة مزيد من التمويلات.
الموالاة: مقارنة مضللة
في الجهة المقابلة، رفض النائب زين العابدين المنير، رئيس الكتلة البرلمانية لحزب «الإنصاف» الحاكم، الاستنتاجات التي بنتها المعارضة على الأرقام، واعتبر أن المقارنة «ساذجة اقتصادياً»، لأنها تعزل ممولاً واحداً هو البنك الدولي، وتتجاهل المؤشر الأهم المتعلق بحجم الدين قياساً إلى الاقتصاد وقدرة الدولة على تحمله.
وأكد النائب أن نسبة دين القطاع العام إلى الناتج المحلي تراجعت من نحو 70 في المئة عام 2019 إلى قرابة 40 في المئة حالياً، متسائلاً عن وجاهة الاستدلال بارتفاع التمويل من مؤسسة واحدة على تفاقم المديونية بينما يسير المؤشر الكلي، حسب قوله، في الاتجاه المعاكس.
كما شدد على أن الـ1.64 مليار دولار ليست ديوناً خالصة، مقدراً المكون القابل للسداد بنحو 900 مليون دولار، مقابل حوالي 575 مليون دولار على الأقل من المنح غير المستردة، فضلاً عن مبالغ أخرى تختلف طبيعتها حسب كل عملية.
وتستند الموالاة أيضاً إلى اختلاف القيمة الحقيقية للدولار عبر العقود، معتبرة أن مقارنة دولار السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات بدولار اليوم بالقيمة الاسمية تتجاهل التضخم، مثلما تتجاهل النمو الكبير الذي شهده حجم الاقتصاد الموريتاني.
وتدعم بيانات صندوق النقد جانباً من هذه الحجة، إذ تشير تقديراته إلى وجود دين القطاع العام في حدود 40 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما يصنف البنك الدولي موريتانيا ضمن البلدان ذات المخاطر المتوسطة للوقوع في ضائقة المديونية.
كما تؤكد الموالاة أن التمويلات ليست مجهولة الوجهة، بل تتوزع على مشاريع موثقة في الطاقة والصحة والزراعة والمياه والحماية الاجتماعية والرقمنة وتشغيل الشباب وتحسين كفاءة الإنفاق العام.
ما بعد حرب الأرقام
وهنا تكمن مفارقة السجال: المقارنة التي فجرت النقاش صحيحة من حيث القيمة الاسمية للتمويلات، لكن اعتبار مبلغ 1.64 مليار دولار كله ديوناً جديدة ليس دقيقاً. وفي المقابل، فإن انخفاض نسبة الدين إلى الناتج لا يجيب وحده عن السؤال المتعلق بكفاءة استخدام هذه الطفرة التمويلية.
لذلك، قد يكون الجدل مفيداً إذا انتقل من حرب الأرقام إلى كشف تفصيلي للمشاريع: كم كان قروضاً وكم كان منحاً؟ كم صُرف فعلياً؟ وما نسب التنفيذ؟ وما الوظائف والبنى التحتية والخدمات التي أنتجتها؟
فالارتفاع الكبير في تمويلات البنك الدولي قد يعكس تحسناً في قدرة موريتانيا على تعبئة موارد التنمية، لكنه يرفع في الوقت نفسه سقف المساءلة بشأن إدارتها ونتائجها.
وبين المعارضة التي تسأل عن حصيلة 1.64 مليار دولار، والموالاة التي تتمسك بتحسن مؤشرات المديونية، والمجتمع المدني الذي يضع الحوكمة والشفافية في قلب النقاش، يبقى السؤال الأكثر التصاقاً بحياة المواطنين أبعد من المقارنات الحسابية: ماذا تغير فعلياً في الاقتصاد والخدمات وفرص العمل مقابل هذه الطفرة غير المسبوقة في التمويلات؟

✎

فريق تحرير المصطبة نيوز

فريق التحرير في المصطبة نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق