الصّادق الرضي
لندن ـ «القدس العربي»: انطلقت جولة الفنان مارسيل خليفة الأوروبية في السابعة مساء الجمعة 25 سبتمبر/ أيلول 2026، من قاعة (Ibraaz) في لندن، الجولة التي ستستمر حتى مايو/ أيار 2027، في باريس وبروكسل وأوسلو وجنيف ومدن أخرى؛ والمخصصة للاحتفاء بمرور (50) عاماً على إصدار ألبومه الغنائي الأول (وعود من العاصفة) ـ صدر لأول مرة سنة 1976، وتضمن باكورة اشتغاله على قصائد الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، الألبوم الذي أعاد مارسيل تسجيله (بالأبيض والأسود) مجدداً احتوى على أغنيات: بين ريتا وعيوني بندقية، وعود من العاصفة، أحن إلى خبز أمي، جواز السفر. بدا مارسيل خليفة هادئاً ومثخناً بالشجن على المنصة، وهو يقدم شهادته حول رحلته الطويلة مع هذه الأغنيات، وتجربة تسجيلها أول مرة، والرؤى والشجون التي كانت تراوده وهو في الطريق لتسجيلها مجددا؛ قدم شهادته للحضور بالعربية، وقدمتها المنصة مترجمة للإنكليزية، قبل أن يعرض تسجيل فيديو تضمن شهادة من الشاعر الراحل محمود درويش حول علاقته بالفنان مارسيل، عبّر فيها عن إعجابه بما قدمه من ألحان لقصائده، وأوضح فيها ثقته بمقدرات مارسيل في اختيار النصوص الشعرية والتعامل معها موسيقيا.
توالى عرض الصور التي جمعت بين مارسيل ومحمود درويش في مناسبات مختلفة، على الشاشة، وخفتت إضاءة القاعة، واستغرق الحضور في إنصات عميق صحبة الفنان مارسيل، لأغنيات الألبوم كاملة، على التوالي، قبل أن تعود المنصة لطرح بعض الأسئلة على مارسيل تمهيدا لفتح الحوار بينه وبين الحضور. لتختتم الأمسية، بتوقيعه على نسخ الألبوم.
أكشف أغنيتي بعشقٍ حميم
قال مارسيل في شهادته، حول التجربة الأولى لتسجيل الإلبوم: «لحنت جرحي في الحرب كي لا يمتلكه جلاّدي، ولم تحمل الأغنية جواز سفر، لم أصالح الظلم وغنيت لأبرأ من وحشة الصمت، وغنيت أكثر كي لا تصبح الهزيمة طبيعيّة. مسافة الطريق تكفي كي أوزّع الفائض على فضول بصري منثور كالثرثرة؛ وفي نفسي جوع للبعيد وشريط ذكريات عبرت أفق خيالي؛ وأرتعد من حصة الاستوديو لا أدري كيف تكون؛ أتخطّى بوابة الحديد، بعد شبه تردّد وأدلف إلى الداخل؛ كل شيء جاهز: الميكسر، الميكروفونات وصمت مهندس الصوت المطلق. ثم، وحدي.. آه يا وحدي، مع العود في الغرفة الصغيرة المسورّة بالعوائق الخشبيّة لحصر الصوت؛ أكشف أغنيتي بعشق حميم، أستأنف بدءاً كأنني أهدم العدم؛ تبوح الأغنية بمكنونها فتقاطرت الرسائل والقلب تقطّر، ورؤى لوعته في الليالي الباردة، فحبّر على ورق النوتات، وأنطق نص درويش بالأنغام. أيتها الأغنية ماذا فعلتِ بشاب خارج من فوهة قصيدة؟! هل كانت ضفيرة شعر ريتا الطويل معلقّة على الوتر؟! وأرحل قليلاً عن خجل لازمني صغيراً وأعيد المطلع في الاستوديو الباريسي المحايد، ليكون أقرب إلى حريق أنفاسها، وعلى وتر النوى تنحل عقدة المبنى فأترك سحر الإيقاع والغناء الطليق أن يغمرها».
انتصار على الموت والحرب:
واستطرد مارسيل، حول أول لقاء له بالراحل درويش: «أتذكّر حينها في سنة 1976، لم أسأل إذنا من أحد، قرأت قصائد درويش في الدواوين، لحنتها وغنيتها وعندما التقيت بمحمود لاحقاً في سهرة حميمة عند الصديق إلياس خوري في بيروت بادرني قائلاً: «يا صبي، يا أيها الأمير، لا تستأذنني في تناول القصائد، قلت له: «اعتبرت قصائدك أيها الشاعر الكبير ملكية عامة»، وتابعت: كنت متخفياً في بيت أهلي في بداية الحرب، وكان لا احتمال للحياة خارج قصيدتك، كنت ألعب، لكن لم أكن أعرف بأن هذا اللعب سيوصلني إليك؛ وكانت ليلة عاصفة بالقذائف المتساقطة من كل حدب وصوب على المدينة، وكانت القصيدة والأغنية انتصار على الموت والحرب والإبادة الروحيّة والنفسيّة والجسدية؛ يبدو حب الشعر في تلك الليلة العاصفة كان عملاً أحمق، سقطت قذيفة في الحيّ وسمعنا تطاير زجاج الشبابيك على الشارع، ورغم ذلك بقينا نستشعر ونغني للخلاص من الموت».
لم يخرج جمهور محبي مارسيل خليفة من أمسية الاحتفاء بخمسينية (وعود من العاصفة، بلا وعود جديدة بالالتقاء به صحبة محمود درويش، إذ أعلن عن فراغه من تلحين قصيدة (الجدارية) التي عمل عليها لأكثر من سنتين، وكتب نوتات موسيقة لمئة صفحة من الشعر، وقال عنها: «ملحمة غنائية أخذت مني الكثير وأعطتني أكثر ثمّ أكثر، وانتظر الوقت المناسب لتجسيدها على الخشبة».


















0 تعليق