أبو عرب: موال فلسطيني في وجه الاحتلال

منذ ساعة

غنى أبو عرب لفلسطين وكفى، ولم تكن حياته سوى فصل من فصول المأساة الفلسطينية الممتدة، كان صوته يتردد بين الناس في مخيمات اللجوء وساحات وميادين الفداء، لا ينفصل عن الشعب الفلسطيني ولا يخاطبه من بعيد، بل كان ينطلق من وسط هذا الشعب وصولاً إلى كل بقعة عربية، ويحمل صوت الألم الفلسطيني وينقله في أسفاره إلى كل دولة أجنبية. أبو عرب واسمه الأصلي إبراهيم محمد صالح، فنان من فناني فلسطين ومبدعيها، التي لها مع الفن والإبداع شأن خاص، منذ أن بدأت المأساة وما سبق من إعداد لها، فصارت القضية الوطنية هي الموضوع الفني الذي لا ينتهي ولا يعرف حدوداً، في هذا الموضوع تصب كل أنهار الفنون وتجري بلا توقف، ومن الفنون امتلك أبو عرب الشعر والغناء والتلحين، وقد انطبعت تلك الفنون وتكونت في نفسه خطوة بخطوة، بالتزامن مع تفتح وعيه منذ الطفولة على قضية بلاده الوطنية.

في قرية الشجرة

ولد أبو عرب عام 1931، وتلقى أول ما تلقى من معاني الحياة وحوادثها ثورة فلسطين الكبرى في الثلاثينيات، تلك الثورة العظيمة لا بتاريخها الجهادي وحسب، بل بتاريخها الشعري والفني أيضاً، وإبداع من عاصروها وواكبوا حوادثها، ومن كتبوا عنها من أعلام فلسطين. ومنهم جد أبو عرب، الذي لقب بشاعر الثورة الفلسطينية، ولقب الحفيد باللقب ذاته في ما بعد. ولد أبو عرب في قرية الشجرة التي ترتبط في الأذهان دائماً بالشهيد ناجي العلي، رسام الكاريكاتير الفذ، صاحب العبقرية الفنية الفريدة، لكن قرية الشجرة ليست الرابط الوحيد بين أبو عرب وناجي العلي، فهناك صلة القرابة أيضاً، فأبو عرب ابن خال ناجي العلي وكان بمثابة شقيقه الأكبر، حيث كان يكبره بسبع سنوات تقريباً. تقع قرية الشجرة شمال فلسطين، بين الناصرة وطبرية، وسميت بهذا الاسم لأن في أرضها شجرة سدر ضخمة معمرة، تحت تلك الشجرة العتيقة المباركة نام السيد المسيح، بعد أن تعمد بماء نهر الأردن على يد يوحنا المعمدان.
عاش أبو عرب وناجي العلي طفولتيهما وصباهما في قرية الشجرة حتى عام 1948، وفي خضم النكبة ووقائعها المفجعة، استشهد والد أبو عرب في معركة الدفاع عن قرية الشجرة ضد هجمات العصابات الصهيونية.

بعد ألم الفقد المرير خاض أبو عرب وكان آنذاك في السادسة عشرة من عمره تقريباً، مأساة التهجير وعاش تفاصيلها كافة، واختبر أدق آلامها، يصاحبه في تلك الرحلة الرهيبة ابن عمته الأصغر ناجي العلي، ومن تبقى من أفراد أسرتيهما. وتجرع كل فنان منهما ذلك الألم الرهيب، ألم الاقتلاع من الجذور، وأخذ الألم يحفر حفراً عميقاً في نفسيهما، سوف ينعكس بعد ذلك صوراً ورسوماً عند ناجي العلي، وأشعاراً وموسيقى وغناء عند أبو عرب. كان القريبان على موعد مع فراق آخر بعد وصولهما إلى مخيمات اللجوء في لبنان، حيث ظل ناجي العلي في مخيم عين الحلوة، وانتقل أبو عرب إلى سوريا واستقر في مخيم من مخيمات اللجوء في حمص.
ظلت قرية الشجرة حاضرة في وجدان ومخيلة أبو عرب، وكان عندما يتحدث عنها يسرد تفاصيل كل ركن فيها، كما لو أنه يحفظ مكان وشكل كل حجر من أحجارها، ويحيط بجغرافيتها أتم الإحاطة، فينقل للسامع صورة فوتوغرافية بانورامية شديدة الدقة. فنراه يصف الهضبة التي تقع عليها، وما يحيط بها من تلال من الشمال، ووديان من الجنوب، وسهول من الشرق، وأبنيتها التي كانت كلها من الحجر الأبيض. ويكاد يذكر كل عائلاتها وأعلامها، ويقول إن قرية الشجرة لم تعرف الأمية بين أهلها في ذلك الزمن القديم، ويذكر أيضاً كل ما كان فيها من خيرات وفواكه، وعين تنبع منها الماء كانت تسقي الجميع. وأحياناً يتخيل المرء أبو عرب كشجرة فلسطينية أيضاً، لم تثمر وتزهر إلا كل ما هو فلسطيني خالص، مهما اقتلعت وانتزعت من الأرض بجذورها، ونقلت وزرعت قسراً في أراض أخرى.

الغناء في المخيمات

بدأ أبو عرب يؤلف أشعاره ويلحنها ويغنيها في مخيمات اللاجئين، وأخذ يعبر عن معاناة اللاجئين وقسوة الحياة داخل تلك المخيمات، وقسوة التهجير والفراق القسري عن الوطن. لكنه لم يتخذ من الغناء حرفة يتكسب منها رزقه، وإنما كان له مساره المهني المستقل عن الغناء، حيث عمل مترجماً في إحدى الشركات الحكومية الكبرى في حمص، وانخرط في العمل النقابي حتى صار نقيباً للعمال في فترة من الفترات، يدافع عن حقوقهم ويسعى إلى حل مشكلاتهم. كما انضم في سوريا إلى الحزب العربي الاشتراكي، ومن بعده حزب البعث، لكنه لم يسلم من اضطرابات وأهوال سوريا، وطاله ما طال الشعب السوري من ظلم وعذاب. سجن أبو عرب مرتين في سوريا، كانت الأولى في أواخر الخمسينيات، وكانت الثانية في الستينيات، وتم تعذيبه جسدياً في سجن تدمر. بعد خروجه من المعتقل استقال من حزب البعث، واعتزل العمل الحزبي تماماً، خصوصاً بعد أن أثقلته الهزائم والخيبات العربية الهزيمة تلو الهزيمة والخيبة تلو الأخرى، وهو يرى بعينيه ضياع فلسطين وسط كل تلك الخيبات والهزائم.

عمل أبو عرب في الإذاعة وترك أثراً مهماً فيها من خلال تجربته معها، في البداية تمت دعوته إلى القاهرة ليقدم برنامجاً في إذاعة «صوت العرب»، من خلال هذا البرنامج أخذ يبث أناشيد وأهازيج من التراث الفلسطيني، ليسمعها العرب كافة في مختلف البلدان العربية، بالإضافة إلى أشعاره وأغانيه حول النكبة والشتات والمخيمات والتهجير. ثم كان له تجربة إذاعية أخرى مع إذاعة «صوت فلسطين» التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، والتي كان يتم بثها من لبنان، وقدم من خلال برنامجه فيها كل ما يلامس الوجدان الفلسطيني، ويعبر عن معاناة الشعب والأرض والوطن. تم قصف الإذاعة عام 1982، وكذلك استشهد ابنه معن الذي كان فدائياً، غادر أبو عرب لبنان وعاد إلى حمص مرة أخرى، وأسس فرقة «فلسطين» وألف ألبوماً كاملاً في رثاء ابنه الشهيد. كانت الفرقة تحافظ على التراث الفلسطيني، وتتجول في المخيمات ومعسكرات الفدائيين، كما طافت العديد من الدول العربية والأجنبية. وبعد استشهاد ناجي العلي عام 1987 قام أبو عرب بتغيير اسم الفرقة من «فلسطين» إلى «ناجي العلي»، وألف كذلك ألبوماً كاملاً في رثاء شهيد فلسطين وفنانها العبقري، ناجي العلي ابن عمته الذي كان بمثابة شقيقه الأصغر.
إرث أبو عرب أقرب إلى الأدب الشعبي الشفهي، فهو لا يمنحنا الطرب وحسب، رغم صوته القوي الجميل ذي القدرة التعبيرية الكبيرة، وإنما يمنحنا ما هو أكثر من ذلك، وعنده نجد كثافة الروح الفلسطينية بشكل كبير، حيث كان ينظم الزجل الفلسطيني وفق تقاليده العتيقة الأصيلة، وكان ينشد الشعر الشعبي النابع من القرية الفلسطينية، بألوان الأداء الفلسطيني المتوارث. غنى الأوف والعتابا والمواويل الشيقة، حيث ينتهي كل بيت باللفظة ذاتها، لكنها تتكرر بمعنى جديد في كل مرة، ما يثير ذهن المستمع ويجذب انتباهه طوال الوقت، ويكتمل المعنى وتتم الرسالة أو النهاية التي ينتظرها المستمع، وتتضح الحكمة في البيت الأخير الذي يمثل ذروة يتصاعد عندها الغناء والموسيقى المصاحبة إن وجدت.

من أكثر ما يغنيه أبو عرب حزناً: «شهر وسنة عم تمرق الأيام.. والليل باكي فوق خيمتنا.. وأطفال تحت البرد عم بتنام.. خيمة وريح الظلم عصفتنا.. وجدي مريض بتوكله الأسقام.. أختي وأنا بنلوك دمعتنا». ومن أشهر مواويله: «يا توتة الدار صبرك ع الزمان إن جار.. لا بد ما نعود مهما طول المشوار.. يا توتة الدار حلفتك برب الكون.. لا بد ما نعود مهما طول المشوار». ومن أجمل ما قال في العودة: «يا داري مهما طال البعد لاجي.. ودمعي بفرقتك ع الخد لاجي.. ما عدت أعيش أنا باسم لاجي.. لا بد ما أعود لو طال الغياب»، وكذلك قوله: «يا داري بالنوى لو طال بعدي.. بعدي ع العهد يا دار.. أمانة لا تفتحي الأبواب بعدي.. أمانة طول ما نحنا غياب». وغنى لمريم العذراء: «تعي بالعيد يا عدرا وعايدينا.. اسألينا كيف راح المهد منا.. ومن حقك يا عدرا تعاتبينا».
في أعمال أبو عرب تعانق اللهجة الفلسطينية أساليب التعبير الفني، وعندما نستمع إليه نركز على الكلام والمعنى، وتكون وظيفة التنغيم تأكيد المعنى، فهو شاعر في المقام الأول، شاعر يغني وليس مطرباً يغني الشعر. تعكس أغانيه صلابة الشخصية الفلسطينية التي لم تفتتها الأهوال على مرّ السنين، ونلمح فيها تلك النزعة الدرامية واللمسة الحكائية أحياناً، ويعبّر بصوته عما يعتمل في الضمير الفلسطيني، كما يبث القوة والعزيمة في الأوصال، كفنان يمسك سلاحه في معركة تحرير الوطن.
لم يكن أبو عرب مطرباً عادياً يمارس دوره في الغناء، في وقت يحتاج فيه الوطن إلى المقاومة بشتى السبل، بل كان أيقونة فلسطينية حية، وحافظاً للذاكرة وراوياً للتاريخ، ومثالا للشخصية الفلسطينية التي اختبرت التجارب المشتركة مع أغلب الشعب، من تهجير وشتات وفقد رهيب. وكان بلا شك مدرسة من مدارس الزجل الفلسطيني، وكان بصوته الكبير شديد الصفاء ذي الرنين القوي، الذي يختزن في نبراته الألم الفلسطيني العميق، يعبر عن بعض من مرارة ما يتجرعه الفلسطينيون في كل وقت وفي كل حين، وكان كالصابرين البواسل من الشعب الفلسطيني ظل يؤدي رسالته حتى النهاية.

✎

فريق تحرير المصطبة نيوز

فريق التحرير في المصطبة نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق