بعد يوم من تصريحات لملك الأردن عبد الله الثاني على منصة الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وفي خطابه الذي يعدّ الأشد انتقاداً لإسرائيل، تم إبلاغه أن افيغدور ليبرمان يقترح عليه العودة إلى السيطرة على المنطقة “أ” و”ب” في الضفة الغربية، بل وحتى نشر جيشه هناك أو بناء قوات تابعة لقيادته. وكتب ليبرمان: “نحتاج إلى التوصل إلى تفاهم مع الأردنيين على إدارة “يهودا والسامرة” وتحمّلهم المسؤولية الأمنية والإدارية. لا يمكن ترك فراغ”.
لا نية للملك عبد الله ليحل محل إسرائيل أو السلطة الفلسطينية، سواء في الضفة الغربية أو غزة. الملك من الموقعين على المبادرة العربية من العام 2002 ويدعم حل الدولتين. ولا يسعه إلا أن يشعر بالارتياح لعدم اقتراح ليبرمان أن يكون الأردن هو الدولة البديلة للفلسطينيين.
وأوضح الملك رأيه في الحكومة الإسرائيلية وسياستها: “لكي ننجح في حل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، يجب على العالم التخلي عن بعض الأوهام. الأول، افتراض أن الضفة الغربية وقطاع غزة قضيتان منفصلتان، فهذا غير صحيح. هما وجهان لاستراتيجية إسرائيلية واحدة. ففيهما يُقتل الفلسطينيون، وفيهما يشهد الواقع على الأرض تغيراً جذرياً؛ في غزة من خلال التدمير، وفي الضفة الغربية من خلال الضم الفعلي. وثمة وهم آخر، وهو أن معارضة القيادة الإسرائيلية الحالية لإقامة دولة فلسطينية هي موقف قابل للتغيير. هذا غير صحيح، بل واقع راسخ على الأرض”.
حسب أقواله، فإن تهجير تجمعات فلسطينية من بيوتها، والتصريح بنوايا إحياء خطة نقل اللاجئين في غزة، وتوسيع السيطرة الإسرائيلية على منطقة الحدود بين سوريا والأردن – التي قد تمتد لاحقاً، الأمر الذي يثير مخاوف الأردنيين وشكوكهم إلى حوض اليرموك، كل هذه تشكل لبلاده تهديداً أمنياً خطيراً. وهذه هي المرة الأولى التي يرسم فيها ملك الأردن خريطة للتهديدات الإقليمية، تشمل هذه المناطق الجغرافية الثلاث، التي يربط من خلالها جميعاً السيطرة الإسرائيلية.
ويعكس الملك عبد الله رأياً وموقفاً تشترك فيه دول المنطقة كلها، التي تحذر، بشكل فردي أو مجتمعة، من سياسة إسرائيل. وقال الملك في الجمعية العمومية: “لا ينبغي لأحد في هذا المجلس أن يفترض بأن طموحات إسرائيل تتوقف عند فلسطين، فشهية التوسع لدى هذه الحكومة الإسرائيلية تشكل الآن خطراً إقليمياً. واليوم، تعتبر سوريا بمثابة جرس إنذار يتجاهله المجتمع الدولي”.
هذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملك عبد الله عن سياسة العقاب والاحتواء التي يلتزم المجتمع الدولي بتبنيها لدحر هذا الخطر. “السؤال الآن هو: هل سنتحرك؟ ففي نهاية المطاف، لا ينبع التقاعس السياسي العالمي من نقص الخبرة. لذلك، دعونا نسمي الأمور بمسمياتها: غنه خيار مطروح. لدينا أدوات: العقوبات وتجميد الأصول والحظر والعزلة السياسية؛ ولدينا خبرة في استخدامها في أماكن أخرى”.
“مع ذلك، عندما يتعلق الأمر بإسرائيل تنتهي القرارات حيث بدأت على الورق، والنتيجة دولة تعمل دون قيود”، قال الملك عبد الله.
الملك الأردني يتحدث وكأنه يتوق بشدة إلى أي مبادرة دولية أو سياسية أخرى قد تقترحها حكومة إسرائيل، في حين بدا الانفصال السياسي بين إسرائيل وبلاده واضحاً في كل المجالات تقريباً – باستثناء المجال العسكري والاستخباري، وفي مجالات مثل إمدادات المياه والغاز التي نص عليها الاتفاق بين الدولتين.
“لا أتذكر فترة أصعب وأكثر توتراً بين الدولتين منذ التوقيع على اتفاق السلام في العام 1994″، قال مسؤول سابق رفيع المستوى في الحكومة الأردنية لـ “هآرتس”، الذي كان مسؤولاً، ضمن أمور أخرى، عن آلية التعاون. “لقد انتقلنا من وضع كان من المفروض أن يساهم فيه الاتفاق في تطوير العلاقات بيننا وتعزيز التطبيع إلى نظام إدارة الأضرار ومنع التدهور. لقد تم استبدال مفهوم “الشراكة الاستراتيجية” الذي قامت عليه العلاقات، بالعداء والريبة المتحكم بها. تتحدثون عن اتفاقيات إبراهيم، لكنكم تتخلون عن الدول التي وقعت بالفعل على اتفاق سلام معكم”.
ثمة فجوة كبيرة بين الخريطة التهديدية التي يرسمها الملك عبد الله وقدرة الأردن على التعامل معها. الأردن اليوم في قلب منطقة تعمق فيها إسرائيل سيطرتها على جنوب سوريا، التي تشاهد إعادة تشكل مستمر؛ وتواصل إيران – التي هاجمت قواعد أمريكية في أراضيها مراراً وتكراراً – تهديدها من الشرق؛ وأصبح البحر الأحمر والحدود مع العراق جزءاً من حملة واحدة. يحتاج الأردن إلى الولايات المتحدة للدفاع عن نفسه، وإلى سوريا لتحقيق الاستقرار على حدوده الشمالية، وإلى إسرائيل – حتى لو كان عبد الله يفضل عدم ذلك – لتوفير المياه والتعاون في مجالات أخرى.
الأردن ليس من بين دول الوساطة، سواء في الصراع مع إيران أو مع الحوثيين أو في غزة. لم يكن الأردن شريكاً في “صفقة القرن” التي طرحها ترامب. وليس شريكاً فاعلاً في التحالفات العسكرية الإقليمية. وفي المشاورات مع دول المنطقة، يعدّ الأردن دولة ضيفة أو مستضيفة، لكن ثقلها أقل بكثير من دول الخليج أو مصر. في الوقت نفسه، الحروب الأخيرة أعطت الأردن مكانة خاصة وعززت علاقاته مع الولايات المتحدة ودول المنطقة؛ فقد كان الأردن شريكاً فاعلاً في تحييد الصواريخ والمسيرات التي أطلقت على إسرائيل في حزيران 2025، وفتح مجاله الجوي أيضاً لمرور الطائرات القتالية الأمريكية في رحلاتها إلى إيران. تتركز القوات العسكرية الأمريكية على أراضيه بموجب اتفاق الدفاع المشترك من العام 2021، الذي يمنحها حق الوصول إلى 12 منشأة وقاعدة عسكرية، بما في ذلك قاعدة موفق السلطي الجوية، التي تعدّ مركزاً لوجستياً رئيسياً للقوات الجوية الأمريكية.
يتمتع الأردن بمكانة حليف رفيع المستوى من خارج حلف الناتو، وليس مجرد عدد من القواعد. أصبح الأردن ركيزة استراتيجية حيوية للولايات المتحدة، ثم لإسرائيل. لذلك، هو لاعب فاعل في تنفيذ السياسة الأمريكية، بما في ذلك مشاركته في “خريطة الطريق” التي وضعتها القوة العظمى لتوحيد القوات الكردية مع الجيش السوري. وبالتنسيق مع الرئيس السوري أحمد الشرع، يعمل الأردن على تحييد تهريب المخدرات والسلاح من سوريا إلى الأردن.
وقد شن هجومين على الأقل في الأراضي السورية في محيط السويداء ودرعا، ما أدى إلى إلحاق الأضرار بمزارع إنتاج المخدرات.
ويطمح الأردن إلى أن يكون جزءاً من نظام أنبوب النفط البديل الذي سيتجاوز مضيق هرمز وإيران، وقد بدأت مباحثات مع الحكومة العراقية لإحياء مشروع أنبوب النفط الذي سيربط البصرة بميناء العقبة. يعدّ هذا المشروع ضخماً، بمبلغ أولي يقدر بخمسة مليارات دولار، وقد يتيح للعراق تصدير حوالي 2.25 مليون برميل نفط في اليوم. وقد أصبح ميناء العقبة نفسه طريقاً بديلاً لإمداد العراق في السنة الماضية لنقل البضائع غير النفطية. وحسب بيانات وزارة التجارة الأردنية، فقد ارتفعت التجارة البرية بين الدولتين بأكثر من 150 في المئة.
بعد انقطاع استمر 33 يوماً في إمداد الغاز من إسرائيل بسبب الحرب، تم استئناف الإمداد في نيسان. وفي غضون ذلك، وسع الأردن استخدامه للغاز المسال وأقام منشأة غاز أخرى إضافة إلى المنشأة القائمة، بطاقة إنتاج محتملة تبلغ حوالي 20 مليون متر مكعب من الغاز في اليوم، وهذا لا يتجاوز بكثير متوسط الكمية التي كان يشتريها من إسرائيل قبل الحرب.
لم يتنازل الأردن عن الغاز الإسرائيلي (رغم الانتقادات السياسية والشعبية)، بل يعمل على تعزيز قدرته على عدم الاعتماد عليه. والأهم أنه حول الغاز المسال من خيار احتياطي طارئ إلى خيار استراتيجي، حيث سيبيع حوالي 4 ملايين متر مكعب لسوريا و2 مليون متر مكعب للبنان (عند استكمال البنية التحتية). مع ذلك، ما زالت هذه الإمكانية الاقتصادية الكامنة غير كافية لتلبية الاحتياجات الملحة التي تدفع الأردن باستمرار إلى شفا أزمة اقتصادية.
ترتفع نسبة البطالة إلى 21 في المئة تقريباً، ويتجاوز عجز الميزانية 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ويخصص حوالي خمس ميزانية الدولة، 18 مليار دولار تقريباً، لتسديد الدين. وقد بلغت فوائد الدين العام حوالي 89 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. يضاف إلى ذلك الضرر الذي لحق بالصادرات وفرع السياحة، الذي يساهم بحوالي 15 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في البلاد بسبب الحرب. يعتمد الأردن بشكل كبير على القروض والمساعدات الخارجية التي تشكل حوالي ربع مداخيل البلاد، وتشكل هذه الأرقام الصارخة واقعاً يومياً صعباً، لا سيما للفئات الأقل حظاً في المجتمع وفي المناطق الريفية.
على سبيل المثال، نشر في هذا الشهر تقرير عن عدد من العائلات التي تعيش في وادي الأردن، من المناطق الأفقر في المملكة، حيث لا يتجاوز دخل العائلة 200 دينار في الشهر (حوالي 280 دولاراً أمريكياً)، وتواجه صعوبة في شراء القرطاسية والكتب لأولادها استعداداً للعودة إلى المدارس. ولا تقتصر هذه المشكلات على الأردن وحده، بل تمتد إلى المجال السياسي والمجال العام، وتشير إلى الثمن الباهظ الذي ستدفعه إسرائيل إذا استمرت في إبعاد نفسها عن جارتها.
لم يعد الأردن دولة عربية تستطيع إسرائيل الاستغناء عنها. فهو أطولها حدوداً وأكثرها هدوءاً، وبوابتها إلى سوريا والعراق، وإحدى ركائز الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط. وهكذا، تتسع الفجوة بين حاجة إسرائيل إلى استقرار الأردن والعلاقات الدبلوماسية الفعلية معه، التي لم تكن في أي يوم أكثر هشاشة منذ اتفاق السلام، بل وحتى قبله. وإذا لم تعد إسرائيل العلاقات مع المملكة الآن فقد تكتشف بشكل متأخر أن اتفاق السلام مع الأردن قد انهار، لأن الطرفين لم يعودا يريانه مكسباً.
تسفي برئيل
هآرتس 29/9/2026
- معارك عنيفة في جنوب غرب الصومال بين الجيش الاتحادي وقوات موالية لحاكم سابق
- سفير السودان يعرب عن تقديره لمصر ويؤكد عمق العلاقات الأخوية بين البلدين
- سوريا: حريق في خط غاز بين الشولا ودير الزور جراء عمل تخريبي
- بوتين يعزّز الجيش الروسي بـ15500 جندي
- أمريكا وإيران تجريان محادثات منفصلة مع الوسطاء لإنهاء الحرب


















0 تعليق