سجالات افتراضية حول «أنسنة» الذكاء الاصطناعي

منذ ساعة

ربما أصبح الجدال حول حقوق الإنسان مملًّا، بعد أن تحوّل إلى سجال عقيم في أجواء مسيّسة، ضمن اعتبارات تجاريّة ومصلحيّة وعلاقات انتهازية بين الكثير من الدول.
وقد اكتسبت هذه القضية أهميّة في الفصل الأخير من الحرب الباردة بين الغرب والاتحاد السوفياتي، عندما استُخدمت لتسجيل النقاط في الحقبة التي شهدت صراعا أيديولوجيًّا بين الشرق والغرب. فقد طرحت آنذاك مقولة «الستار الحديدي» وهو مصطلح سياسي رمزي يصف الحدود الفاصلة التي قسمت أوروبا إلى منطقتين منفصلتين (شرقية وغربية) منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في العام 1945 حتى سقوط الكتلة الشرقية ونهاية الحرب الباردة في العام 1991. ووجد الغربيون مقولة «حقوق الإنسان» سلاحا إعلاميّا في المعركة الأيديولوجيّة مع الكتلة الاشتراكية آنذاك. فبعد الحرب العالمية الثانية التي سحقت فيها كرامة الإنسان وحقوقه وسُجّل فيها مقتل أكثر من 50 مليون إنسان خلال تلك الحرب التي استمرت ستة أعوام، تصاعد الاهتمام بمسألة حقوق الإنسان واحتلّت موقعا محوريّا في الاهتمام الدولي. الغربيون شعروا بضرورة إعادة النظر في مقولة «الإنسان»: ما مدى قداسة روحه؟ ما هي حقوقه الطبيعية التي يجب إقرارها والدفاع عنها؟ كيف يمكن ترويج هذه القيم في عالم أصبح يمتلك من أدوات الموت والتعذيب والتنكيل ما لا يمكن حصره أو التحكم فيه بقرارات دولية نظرية لا تتوفر على آليات التنفيذ؟
ومع تطور الآلة أصبحت الحقوق أكثر تداخلا وغموضا، فتلاشت حدود العقل والمنطق، بينما توسعت دوائر التصنيع والتطوير التكنولوجي غير المرتبطة بتلك الحدود.
من المتوقع أن تشهد الحقبة الحالية توسعا في السجال حول حقوق الإنسان في ضوء تصاعد دور الآلة كبديل للإنسان، خصوصا بعد أن أصبح الإنسان الآلي حقيقة تلاحق البشر وتسعى لتهميشهم وإنهاء دورهم في الحياة. وهناك الآن تحذيرات كثيرة من استمرار تطوير «الإنسان الآلي» بعد أن بدأ يمارس أدوار الإنسان الحقيقي. بل أن مؤسسة «أوبن أيه آي Open AI» تحذّر من مغبة الاستمرار في ذلك التطوير، وتدعو للتوقف الفوري لمنع حدوث الكارثة. فلم يعد الذكاء الاصطناعي خاضعا بشكل كامل لأوامر الإنسان، بل أصبح بعضها يصنع قراراته بنفسه، بعد أن كان آلة مجرّدة تعمل وفق الأوامر وبروتوكولات التشغيل التي يضعها الإنسان. في هذه الحقبة هناك تحديات كبيرة من استغلال العمّال وخصوصية المعلومات، وصناعة القرار من قبل الآلة وتوسع الاستقلال الذاتي للأنظمة التكنولوجية التي يتوسع نفوذها. هنا يتم استغلال العمالة البشرية لتدريب الأنظمة الجديدة مثل «تشات جي بي تي»، فهي مكشوفة امام الأضرار النفسية. كما أن هناك قلقا من تهديد الملكية الأدبية للناشرين والمخترعين. وهناك أيضا خشية من تهميش الأنظمة القضائية في العالم عندما تُرتكب المخالفات من قبل آلات تتصرف ذاتيا وتتجاوز الحدود التي ترسمها البرمجات الرسمية والتقنينات الحكومية. ومع استمرار تطوير الأنظمة سيكون من الصعب احتواء التحديات الناجمة عن الاستخدام المتصاعد لأنظمة التعرّف على الوجوه وكذلك سرقة المعلومات بالجملة، وما ينجم عن ذلك من استغلال جهود الجهات التي تمارس البحث والتطوير في مجال الذكاء الاصطناعي، وفي ذلك مصادرة لما يسمى «براءة الاختراع»، وبذلك تسود الفوضى وتعمّ الاختلافات ومعها الخلافات المتعدّدة الوجوه.
وهكذا يتضح أن الحقوق المادّيّة للأفراد والشركات المعنية بالتطوير في هذا المجال سوف تتعرض للمزيد من التحديات وربما الانتهاكات. ولكن ماذا سيحدث لحقوق الإنسان التي تمثل المادّة الأساسية للسجالات السياسية التي انطلقت وتطورت خلال العقود الثمانية الأخيرة، أي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية؟

 طالما أن الذكاء الاصطناعي ينطوي في شقٍّ منه على الاستغناء عن البشر، فهو أمر ينطوي على مساس بحقوق الإنسان، أيًّا ما كانت مظاهر وتبعات أو حتى نطاق هذا الاستغناء

فليس مستبعدا أن يناقش نظام الذكاء الاصطناعي المفتوح قضايا الحقوق والمسؤوليات، بعيدا عن النصوص الدينية والثوابت الأخلاقية الإنسانية. وربما الأخطر من ذلك تصاعد الاحتمالات بقدرة الأنظمة التكنولوجية على التفكير ومحاكاة الإنسان حتى في مشاعره وأخلاقه. فبرغم الجدل التاريخي حول الآلة وجمودها، وأنها لا تمتلك القدرة على التفكير والإحساس والتأثر السلبي أو الإيجابي، فإن توسع الأبحاث في مجالات الذكاء الاصطناعي اخترق الكثير من الحدود التقليدية وكشف هشاشة الجدليّات الإنسانية التي استثنت الآلة وعالمها من إمكان امتلاك القدرة على التفكير أو القابلية لامتلاك المشاعر والأحاسيس والعواطف، فلم يعد بالإمكان حصر النقاش داخل الحدود الفاصلة بين الإنسان والآلة.
أمّا في ما يتعلق بمنظومة حقوق الإنسان وموقعها في العلاقات الدولية (مثلًا، في الحوار الدوري بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي)، فسوف يتواصل الجدل بشأنها، كما يحدث عادة في كل دورة. فنشطاء حقوق الإنسان الخليجيون والدوليون يضغطون على الدول الأوروبية للتطرق لهذه القضايا في الدورات الحوارية السنوية، بينما يتردد هؤلاء لتحاشي إزعاج الجانب الخليجي الذي يتحسّس دائما من طرح هذه القضايا. ومن ذلك تظهر هشاشة التزام الدول الغربية بحقوق الإنسان. صحيح أن هناك مؤتمرات منتظمة حولها، وصحيح كذلك أن بعض الزعماء الغربيين يتحدث عنها ويضعها ضمن أولويات حكومته، ولكن الواقع لا يظهر حماس الحكومات لهذه القضية. فقد تثار لأسباب سياسية، ولكنها لا تمثل أولوية قصوى إلا بهدف تسجيل المواقف والتراشقات بين الحكومات المختلفة. ولذلك فليس هناك من راع لهذه الحقوق سوى الله سبحانه وتعالى. فهو الذي خلق الإنسان «في أحسن تقويم» ومنحه حقوقا أساسية في مقدمتها حق الحياة من خلال إضفاء قداسة على روحه، وحماية حياته واعتبار قتله جريمة كبرى.
من المسلّمات التي ما تزال موضع توافق بين البشر أن الآلات لا تستطيع ان تفكر مثل البشر. وطالما أن الذكاء الاصطناعي ينطوي في شقٍّ منه على الاستغناء عن البشر، فهو أمر ينطوي على مساس بحقوق الإنسان، أيًّا ما كانت مظاهر وتبعات أو حتى نطاق هذا الاستغناء، لذا فطبيعي ألا يقف الإنسان ولا الجهات الحامية لحقوقه ولا قوانينها ولا مواثيقها الدولية مكتوفي الأيدي، وهم يرون بوضوح أن مساسا وقع أو حتما سيقع على حقوق الإنسان. المشكلة هنا أن الحقّ الإنساني الذي تنتهكه الآلة ليس هامشيا أو محدودا، بل يتمثل بالعقل الذي منحه الله إياه وجعله علّة تكريم الإنسان من قبل الله تعالى.
وهذا الخطر يشعر به المهتمّون بالتطور التكنولوجي الذي يُفضي إلى صناعة الإنسان الآلي الذي «يفكّر» ضمن ما يُغذّى به من برامج وأوامر. وقد انتبه المخترعون لخطر «استقلال» الآلة في مجال التفكير وصنع القرار. وفي الماضي كان ذلك فرضية استشرفها البعض قبل حوالي قرن من الزمن. ففي العام 1931 أخرج جيمس ويل الفيلم الطويل الأشهر والأيقوني «فرانكشتاين» في العام 1931 . يتحدث الفيلم عن تجميع كائن حي من أجزاء الأجسام، والمخلوق الناتج هو وحش فرانكنشتاين. وسرعان ما انقلب هذا المخلوق على صانعه وحوّل حياته إلى جحيم. فمهما تطوّرت قدرات الإنسان فسيظل محاصرا بحدود عقله، ولن يكون قادرا على امتلاك ما يمكن تسميته «العقل الكامل» الذي يفيده دائما ولا يضرّه. ولكن ذلك العقل قادر على إنتاج «الآلة المفكّرة» التي قد تتجاوزه في التفكير.
في ضوء السجال المتواصل حول صناعة الإنساني الآلي وتوسعه ليشمل كافة نواحي الحياة الإنسانية خصوصا في مجال الصلاحيات والحقوق، ستبقى مساحات إنسانية خارجة عن عالم التصنيع والتكنولوجيا التي لا تستطيع صناعة العواطف والمشاعر إلا ضمن برمجات محدّدة بزمان ومكان، ولا تمتلك صفة الإطلاق. فصناعة إنسان آلي قادر على التفكير وصنع القرار أمر ممكن، ولكن توسيع ذلك ليصبح هذا المخلوق الآلي قادرا على الإحساس العاطفي ومتوفرا على مزايا الحب والكره بشكل مطلق فذلك لا يبدو حتى الآن ممكنا. وليس متوقعا في المستقبل المنظور أن يبقى الإنسان محميّا بشكل كامل من أخطاء التصنيع وهفواته وانعكاس ذلك على أمن العالم وسلامته. فثمة قلق يتعمّق من احتمال اتخاذ أشخاص مثل دونالد ترامب وفلاديمير بوتين وسواهما من الزعماء قرارات خطيرة في حالات الحرب باستهداف البشرية بالأسلحة النووية. هذا برغم وجود آليات معقدة لاتخاذ مثل تلك القرارات في عالم يشعر بخطر اتخاذ قرارات تؤدّي إلى فناء البشرية. فكيف سيكون الأمر إذا تُرك مستقبل العالم بأيدي آلات صنعها الإنسان بيديه وبرمجها ضمن أطر تفكيره ومشاعره الّلحظيّة؟

٭ كاتب بحريني

✎

فريق تحرير المصطبة نيوز

فريق التحرير في المصطبة نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق