نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ما وراء حضور الوفود العربية
إلى طهران, اليوم الثلاثاء 7 يوليو 2026 12:45 صباحاً
حضور الوفود العربية والخليجية إلى طهران للمشاركة في تشييع جثمان علي خامنئي لا يمكن قراءته بوصفه مجاملة بروتوكولية عابرة. إنه حدث سياسي مكثف يقع عند تقاطع الموت والحرب والدبلوماسية وتوازنات ما بعد الصدمة. فمقتل المرشد الإيراني بضربة إسرائيلية أنهى مرحلة كاملة من تاريخ الجمهورية الإسلامية وفتح الباب أمام مرحلة جديدة تتداخل فيها أسئلة كيف سيكون الخليف وإعادة ترتيب مراكز القوة ومستقبل العلاقة بين إيران ومحيطها العربي؟
لكن أهمية هذا الحضور لا تتوقف عند وداع قائد راحل. فقد جاء متزامنا مع انتقال السلطة إلى المرشد الجديد مجتبى خامنئي الذي اختاره مجلس خبراء القيادة خلفا لوالده. ومن هنا فإن الوفود العربية والخليجية لم تكن تشارك في مراسم تشييع فحسب بل كانت في الواقع ترسل أول رسالة سياسية إلى القيادة الإيرانية الجديدة. ففي الدبلوماسية كثيرا ما تتحول الجنائز الرسمية إلى منصات لإعادة فتح قنوات الاتصال ورسم ملامح العلاقات مع العهد الجديد. ولذلك فإن كل لقاء وكل مصافحة وكل مستوى تمثيل رسمي في طهران سيقرأ بوصفه مؤشرا على طبيعة العلاقة التي يمكن أن تتشكل بين الخليج وإيران خلال السنوات المقبلة.
والمعنى الأعمق لهذا الحضور أن الدول العربية والخليجية اختارت أن تكون داخل المشهد لا خارجه. اختارت أن ترسل رسالة مزدوجة. رسالة إلى القيادة الإيرانية الجديدة بأن الخلافات الكبرى لا تلغي منطق الدولة ولا تسقط واجب إدارة الجوار بعقلانية. ورسالة إلى المجتمع الدولي بأن الخليج لا يريد أن يتحول انتقال السلطة في إيران إلى شرارة لحرب إقليمية جديدة تهدد أمن المنطقة واستقرار الاقتصاد العالمي والممرات البحرية وإمدادات الطاقة.
وهذا الحضور لا يعني تبني سياسات إيران ولا القبول بمواقفها الإقليمية ولا تجاهل الملفات العالقة معها. لكنه يعكس إدراكا بأن لحظات التحول التاريخية تفرض على الدول الكبرى في الإقليم أن تكون حاضرة لا غائبة. فالفراغ السياسي في دولة بحجم إيران قد يفتح المجال أمام سيناريوهات أكثر خطورة ويزيد من احتمالات سوء التقدير والتصعيد. ومن هنا فإن المشاركة العربية والخليجية تمثل استثمارا في الاستقرار أكثر مما تمثل تعبيرا عن توافق سياسي.
وفي الحسابات الاستراتيجية تبدو الجنازة اختبارا مزدوجا. فالنظام الإيراني يسعى إلى إظهار التماسك واستمرار مؤسسات الدولة رغم الضربة التي استهدفت قمة هرم السلطة. وفي المقابل تسعى الدول الخليجية إلى احتواء تداعيات هذا التحول ومنع انتقال المنطقة إلى مرحلة انتقام مفتوح أو مواجهات واسعة قد تمتد آثارها إلى أمن الخليج والاقتصاد الدولي. كما أن القيادة الجديدة في طهران ستكون أمام اختبار مبكر. فإما أن تستثمر الرسائل التي حملها الحضور العربي والخليجي لفتح صفحة أكثر هدوءا مع الجوار، وإما أن تعود إلى سياسات التصعيد بما يعيد المنطقة إلى دائرة الأزمات المزمنة.
وفي قلب هذا المشهد تبرز المملكة العربية السعودية بقيادة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، بوصفها الدولة التي قادت خلال السنوات الأخيرة مسارا استراتيجيا لإعادة صياغة العلاقات الإقليمية على أسس أكثر توازنا. فقد انطلقت السياسة السعودية من قناعة بأن أمن الخليج لا يتحقق عبر الصدام الدائم وإنما عبر الجمع بين قوة الردع والانفتاح الدبلوماسي والحوار المسؤول. كما أن مشاريع التحول الاقتصادي الكبرى التي تشهدها المملكة ورؤية السعودية 2030 تحتاج إلى بيئة إقليمية مستقرة تسمح بتوجيه الموارد نحو التنمية بدلا من استنزافها في الصراعات.
ولهذا عملت المملكة على تخفيف التوتر مع إيران وإعادة فتح قنوات التواصل بما يحفظ المصالح الوطنية ويؤسس لعلاقات تقوم على احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وحسن الجوار. ولم يكن هذا النهج تنازلا عن الثوابت بل تعبيرا عن ثقة الدولة السعودية بنفسها وإدراكها أن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على إدارة الخلافات ومنعها من التحول إلى حروب مفتوحة.
ومن هذا المنطلق فإن أي حضور عربي أو خليجي في طهران يحمل رسالة تتجاوز مراسم التشييع نفسها. فهو يؤكد أن دول الخليج تنظر إلى مستقبل المنطقة بعين المسؤولية، وأنها مستعدة للتعامل مع القيادة الإيرانية الجديدة على أساس الأفعال لا الشعارات. فإذا اختارت طهران في عهد مجتبى خامنئي طريق التهدئة واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر استقرارا. أما إذا استمرت السياسات السابقة فإن الخلافات ستبقى قائمة مهما تعددت المناسبات الدبلوماسية.
ولهذا فإن مشاركة الوفود العربية والخليجية في تشييع علي خامنئي ليست مجرد صورة بروتوكولية لوداع شخصية دينية وسياسية بارزة، بل تمثل لحظة استراتيجية تعكس وعيا بأن المنطقة تدخل مرحلة جديدة. إنها رسالة إلى إيران الجديدة بأن العرب حاضرون في لحظة إعادة تشكيل النظام السياسي الإيراني لا من باب الانحياز ولا من باب القطيعة، وإنما من باب حماية الاستقرار الإقليمي وصناعة توازنات أكثر رسوخا. كما أنها تؤكد أن الدبلوماسية العربية وفي مقدمتها الجهد الذي قادته المملكة العربية السعودية بقيادة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، أصبحت اليوم أحد أهم أدوات بناء شرق أوسط أكثر استقرارا وأقل عرضة للصراعات.

















0 تعليق