رسالة من ولد عبد العزيز للرئيس الغزواني تعيد ملفه للواجهة

منذ ساعة

عبد الله مولود

نواكشوط- «القدس العربي»: من سجنه في نواكشوط، أعاد الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبد العزيز فتح قناة مباشرة مع خلفه محمد ولد الشيخ الغزواني، رفيقه لعقود من العمل العسكري والسياسي، قبل أن تتحول العلاقة بينهما، بعد انتقال السلطة عام 2019، إلى واحدة من أبرز الخصومات في المشهد الموريتاني.
ففي رسالة أودعت بسكرتاريا رئاسة الجمهورية، طالب ولد عبد العزيز بتمكينه من إجراء فحوص وتلقي العلاج خارج موريتانيا، مستنداً بحسب المعلومات المنشورة، إلى ملف طبي وتوصيات يرى أنها تستدعي رعاية متخصصة في الخارج، كما حمّل السلطات مسؤولية ما يعتبره تدهوراً في وضعه الصحي.
لكن الرسالة لم تبق في حدود قضية الصحة، فقد أعاد الرئيس السابق من خلالها طرح روايته لقضيته ومحاكمته، محملاً الغزواني مسؤولية ما يصفه بـ»الاستهداف» الذي تعرض له، وبذلك أعادت الرسالة إلى الواجهة سؤالاً ظل ملازماً للقضية: هل يبقى النقاش منصباً على ملف فساد انتهى إلى أحكام قضائية، أم ينتقل، وفق الرواية التي يدفع بها ولد عبد العزيز وأنصاره، إلى قضية تصفية حسابات سياسية بين حليفين سابقين؟
لا تتضمن الرسالة، حسب النص المنشور، طلباً للعفو الرئاسي، بل تركز على السماح لولد عبد العزيز بالعلاج في الخارج، مع تأكيده أن تمكين السجين من العلاج لا يؤثر في تنفيذ محكوميته.
وتقول مصادر قريبة من الرئيس السابق إن جوهر الخطوة صحي وإنساني، وإن مخاطبة الغزواني جاءت بعد عدم الاستجابة، وفق روايتها، للتوصيات المتعلقة باستكمال العلاج خارج البلاد.
أما اتهامات عرقلة العلاج والمسؤولية عن تدهور صحته، فتبقى جزءاً من رواية ولد عبد العزيز ودفاعه، ولا يمكن تقديمها باعتبارها حقائق طبية مستقلة من دون تقييم طبي موثق وموقف الجهات المعنية.
وبذلك يظل الجانب الصحي قائماً بذاته: حق أي سجين، بصرف النظر عن موقعه السابق أو طبيعة الجرائم التي أدين بها، في الرعاية الطبية التي تتطلبها حالته.
غير أن التركيز على الوضع الصحي للرئيس السابق لا يلغي الأصل القانوني للقضية التي أدت إلى سجنه، فولد عبد العزيز خاضع لحكم أصدرته محكمة الاستئناف في نواكشوط في مايو/أيار 2025، يقضى بسجنه 15 عاماً في القضية المعروفة بـ»ملف العشرية»، بعد حكم ابتدائي صدر عام 2023 بالسجن خمس سنوات.

علاجه في الخارج ومعركة إعادة توصيف «عشرية حكمه»

وشملت الإدانة التي وجهت إليه ارتكاب جرائم مرتبطة بالإثراء غير المشروع وغسل الأموال واستغلال النفوذ، مع أحكام بالمصادرة والحرمان من بعض الحقوق.
وفي المقابل، ظل الرئيس السابق يرفض الاتهامات ويطعن في المسار الذي انتهى إلى إدانته، مقدماً نفسه باعتباره ضحية استهداف سياسي، وهي الرواية التي يتبناها دفاعه وأنصاره.
وهنا تحديداً تبدأ معركة أخرى موازية للمعركة القضائية: معركة توصيف القضية أمام الرأي العام.

من ملف فساد إلى رواية «تصفية الحسابات»
ويرى متابعون للملف أن خطاب ولد عبد العزيز وبعض دوائره السياسية والاجتماعية يسعى منذ فترة إلى نقل مركز النقاش من أصل القضية، أي التحقيق والمحاكمة والأحكام القضائية الصادرة في ملف فساد، إلى طبيعة العلاقة بين الرئيس السابق وخلفه، بما يعزز رواية تعتبر ما جرى تصفية حسابات سياسية بين الرجلين.
وتقدم الرسالة الجديدة، وفق هذه القراءة، نموذجاً لهذا التداخل، فهي تنطلق من مطلب صحي مشروع في ذاته، لكنها تعود إلى الطعن في المسار الذي أدى إلى السجن وتحميل الغزواني شخصياً مسؤولية ما تعرض له ولد عبد العزيز.
فالرئيس السابق يتهم السلطة باستهدافه، ويوجه انتقادات إلى أطراف قضائية وتنفيذية، وهي اتهامات صادرة عنه ولا تمثل، في حد ذاتها، وقائع قضائية مثبتة.
وتعتبر مصادر سياسية متابعة للقضية أن هذا الخطاب يجد صداه لدى بعض أنصار الرئيس السابق ودوائر من محيطه الاجتماعي والقبلي والسياسي، حيث يتقدم الحديث عن «المظلومية» والخلاف مع الغزواني أحياناً على النقاش المتعلق بأصل الملف والأحكام الصادرة فيه.
غير أن ذلك لا يسمح بتعميم هذا الموقف على المجموعة القبلية أو الاجتماعية التي ينتمي إليها ولد عبد العزيز، وإنما يتعلق بمواقف معلنة أو منسوبة إلى دوائر محددة من مؤيديه.

لماذا الرئيس الغزواني شخصياً؟
ويرى متابعون لهذا الشأن أن اختيار ولد عبد العزيز مخاطبة الغزواني مباشرة يمنح الرسالة، إلى جانب بعدها الصحي، ثقلاً سياسياً خاصاً، فبدلاً من بقاء الملف بين السجين وإدارة السجون ووزارة العدل والجهات الطبية والقضائية، يصبح الرئيس الحالي في قلب المشهد: رئيس سابق مسجون يخاطب رئيساً حالياً كان من أقرب رفاقه ويحمله المسؤولية عما آل إليه وضعه.
وبذلك تستدعي الرسالة تاريخ العلاقة بين الرجلين: عقود داخل المؤسسة العسكرية، ثم شراكة في السلطة، واختيار الغزواني مرشحاً لخلافة ولد عبد العزيز عام 2019، قبل أن ينفجر الخلاف بعد انتقال الرئاسة.
لكن هذه الخلفية، مهما كان ثقلها السياسي، لا تغير الوضع القانوني القائم: ولد عبد العزيز محكوم عليه قضائياً، فيما تبقى رواية الاستهداف السياسي موقفاً يتبناه هو ودفاعه وأنصاره.

معركة على الرواية
وهكذا أصبح الصراع، إلى جانب مساره القضائي، معركة حول الرواية التي ستستقر لدى الرأي العام.
فهناك من ينطلق من أن «ملف العشرية» مر بتحقيق ومحاكمة ودرجات من التقاضي وانتهى إلى إدانة الرئيس السابق، وأن الخلاف بينه وبين الغزواني لا يكفي بذاته لتحويل الأحكام إلى تصفية سياسية.
وفي المقابل، يربط ولد عبد العزيز وأنصاره التحقيق والمحاكمة والسجن بالخلاف الذي انفجر بعد انتقال السلطة، ويقدمون الرئيس السابق باعتباره مستهدفاً بسبب تحوله إلى خصم لخليفته.
وبين الروايتين حقائق ينبغي الفصل بينها: هناك حكم قضائي نافذ، وهناك حق للرئيس السابق في الاعتراض عليه بالطرق القانونية، كما أن له، كسائر السجناء، الحق في الرعاية الصحية المناسبة.
توقيت سياسي حساس
وتأتي الرسالة فيما تنشغل موريتانيا بالتحضير للحوار الوطني وبنقاشات حول نظام الحكم والمأموريات الرئاسية والعدالة والحريات.
ويرى متابعون أن عودة ملف ولد عبد العزيز في هذه المرحلة قد تمنح أنصاره فرصة لإعادة طرح قضيته من زاوية الحقوق والحريات وربما محاولة نقلها من المجال القضائي إلى النقاش السياسي.
لكن لا توجد معطيات تثبت أن الرسالة كتبت أساساً للتأثير في الحوار، ولذلك يبقى الربط بين الأمرين قراءة سياسية يفرضها التوقيت أكثر مما يثبتها مضمون الرسالة.
العلاج شيء والحكم شيء آخر
وتضع القضية السلطات أمام ضرورة الفصل بين مسألتين: تنفيذ الحكم القضائي وضمان الحقوق الصحية للمحكوم عليه، فالسماح بالعلاج في الخارج، إذا أثبتت التقارير الطبية ضرورته واستوفت الإجراءات القانونية، لا يعني إلغاء الحكم أو تبرئة صاحبه؛ كما أن صدور حكم بالسجن لا يسقط حق المحكوم عليه في العلاج.
وهنا تكمن دلالة الرسالة الجديدة: فهي لا تعيد فقط قضية ولد عبد العزيز إلى صدارة النقاش، بل تكشف عن معركة لإعادة توصيفها في المجال العام؛ ففي مقابل حكم قضائي صادر في ملف فساد، يتمسك الرئيس السابق وبعض محيطه برواية تجعل سجنه نتيجة استهداف سياسي مرتبط بالخلاف مع الغزواني.
وبين الروايتين، يبقى الفصل ضرورياً بين حق السجين في العلاج، وحقه في الطعن والاعتراض، وحقيقة أن تغيير توصيف القضية في الخطاب السياسي لا يغير بذاته طبيعة الأحكام القضائية الصادرة فيها.
أما السؤال الذي ستجيب عنه المرحلة المقبلة فهو ما إذا كان «ملف العشرية» سيظل في الوعي العام قضية فساد حسم القضاء جانبها الجنائي، أم أن الصراع السياسي حوله سيستمر في إعادة تشكيل صورته خارج قاعات المحاكم.

✎

فريق تحرير المصطبة نيوز

فريق التحرير في المصطبة نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق