عبد العزيز بنعبو
الرباط – «القدس العربي»: قبل سنوات خلت، كنا نسمع صوت المطرب المغربي الحسين السلاوي من خلال نجله الراحل محمد، ولم يكن السمع وحده الذي يستعيد الذاكرة، بل حتى الملامح. كان الابن يحمل شيئا من صوت الأب وحضوره، فيعيد إلى الواجهة فنانا غاب جسده وظلّ أثره حاضرا في الأغنية المغربية.
وتتكرر الحكاية، من جديد، بأشكال مختلفة.. يمتد الإرث الفني للبشير عبده من خلال نجله سعد لمجرد، فيما تواصل عائلة بطمة حضورها في المشهد الموسيقي المغربي. وتحضر عائلة ميكري من خلال يونس ومحمود والراحل حسن والابن ناصر، بينما نجد في الأغنية الأمازيغية أحمد الله رويشة، يسير على خطى والده الراحل محمد رويشة. وفي الفن الكناوي، يظهر أبناء وأحفاد عدد من المعلمين في التظاهرات الفنية، في تقليد تتوارث فيه العائلات الموسيقية الممارسة والمعرفة من جيل إلى آخر. لكن هذه الحالات ليست متشابهة تماما. ففي بعض العائلات يكون انتقال الفن جزءا من تقليد متوارث، كما هو الحال في عدد من الأسر الكناوية، حيث لا ينتقل فقط رصيد الأغاني، وإنما أيضا طريقة الأداء والمعرفة الموسيقية. وفي حالات أخرى، يكون الأمر أقرب إلى استمرار بيئة فنية داخل الأسرة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة إعادة تقديم أعمال الآباء.
سعد لمجرد، مثلا، خرج من بيت فني، واستفاد من حضور والده البشير عبده في تجربته الفنية، لكنه لم يشيّد مشروعه الغنائي على إعادة أداء رصيد والده، فقد اختار مساره الخاص، بينما ظل الانتماء إلى عائلة فنية جزءا من خلفيته.
وبين استعادة الأغنية القديمة وصناعة تجربة جديدة، يبرز سؤال آخر: ماذا يفعل أبناء الفنانين حين يجدون أنفسهم أمام إرث تركه الآباء؟ هل يكتفون بحفظه، أم يعيدون قراءته بما ينسجم مع زمنهم؟
في الحالة المغربية، تقدم تجربة طارق بطمة مثالا واضحا على هذا الامتداد. فبعد سنوات من الابتعاد النسبي عن الإنتاج، يعود هذه المرة من بوابة والده الراحل محمد بطمة، من خلال عملين جديدين هما «فضولي يا قلبي» و»الحايك».
ارتبط محمد بطمة بتاريخ المجموعات الغنائية المغربية، من خلال تجربتي «لمشاهب» و»مسناوة»، وترك وراءه أعمالا ظلت حاضرة في ذاكرة جمهور تلك المرحلة. أما طارق، فقد بدأ بدوره في الكتابة الزجلية، واشتغل في بداياته إلى جانب الراحلين العربي ومحمد بطمة على عدد من القطع الزجلية، إضافة إلى كتاباته الخاصة.
يقول طارق بطمة، في تصريح لـ»القدس العربي»، إن كتابته الزجلية ظلت مرتبطة بالغناء، لأنه يكتب أساسا لكي يغني، ولذلك فإن إنتاجه في هذا المجال لم يكن غزيرا. وكانت آخر محطة كبيرة له ألبوم «سمعت صوتك»، الذي صدر في حدود سنتي 2012 و2013، وضم أعمالا من كلماته إلى جانب أعمال لمحمد وعبد الرحيم بطمة. بعد ذلك، اختار العودة إلى الإنتاج من بوابة محمد بطمة، كما يقول، عودة إلى أعمال الأب، لكن بعين الابن هذه المرة.
في أغنية «فضولي يا قلبي»، يستعيد طارق أغنية كتبها ولحنها محمد بطمة لفائدة مجموعة «مسناوة». وهي مقطوعة ذات طابع رومانسي، تستحضر الروح العروبية والمحلية التي ميزت العمل الأصلي، لكن تقديمها هذه المرة جاء مختلفا. اختار طارق أن يؤديها في صيغة دويتو إلى جانب الفنانة نوال بوسنيني، بينما تولى أسامة باهي مهمة التوزيع. وهكذا لم تعد الأغنية مجرد استعادة لما كان، بل أصبحت قراءة جديدة لعمل قديم، تحافظ على روحه وتمنحه في الوقت نفسه شكلا موسيقيا أقرب إلى أذن المستمع اليوم. لكن «الحايك» تذهب خطوة أبعد، فهنا لا يكتفي طارق بإعادة أداء عمل تركه والده، وإنما يدخل معه في حوار مباشر داخل الأغنية نفسها. فالعمل ينطلق من المقطع الأخير لأغنية «امحمد يا ولدي»، التي كتبها ولحنها محمد بطمة لمجموعة «مسناوة»، قبل أن يضيف طارق مقطعا جديدا من كلماته. الأب يترك المقطع الأول، والابن يكمل من حيث انتهى. وبين النصين مسافة زمنية طويلة، لكنها تختصر في أغنية واحدة. ولهذا تبدو «الحايك» نوعا من حوار فني بين جيلين: صوت قديم يعود، وصوت جديد يضيف إليه ولا يكتفي بتكراره. وتولى إدريس الودغيري مهمة التوزيع الموسيقي، فيما يرى طارق، متحدثاً لـ»القدس العربي»، أن الأغنية تمثل مزجا بين الماضي والحاضر، وتجربة تجمع روح محمد وطارق بطمة في عمل واحد.
لكن هذا النوع من العودة لا يقتصر على المغرب. عربيا، يمكن العثور على تجارب تأخذ مسارات مختلفة. ففي مصر ارتبط اسم إيمان البحر درويش بإحياء جانب من تراث جده سيد درويش، فيما واصل علي الحجار مساره الفني داخل عائلة موسيقية كان والده إبراهيم الحجار أحد أركانها. وفي لبنان، ظهر محمد فضل شاكر في أعمال مرتبطة أحيانا برصيد والده فضل شاكر، بينما اختار كل من ماريتا ووليد الحلاني بناء تجربته الخاصة انطلاقا من بيئة فنية شكلها والدهما عاصي الحلاني.
وفي كل هذه الحالات، لا يسير الأبناء بالضرورة في الطريق نفسه. بعضهم يستعيد أغنيات الآباء، وبعضهم يستلهم تجربتهم، وبعضهم يحمل الاسم والذاكرة ثم يبحث عن صوته الخاص. لكن الفن، في كل الأحوال، لا ينتهي دائما عند صاحبه، وقد يجد طريقا آخر إلى الجمهور من خلال الأبناء. ومع ذلك، فإن استعادة أعمال الآباء ليست مهمة سهلة. فالأذن التي حفظت النسخة الأولى تقارن تلقائيا بين الصوت القديم والجديد، وبين الطريقة التي ولدت بها الأغنية والطريقة التي يعاد بها تقديمها اليوم. لذلك يبقى التحدي في الحفاظ على ملامح العمل الأساسية، من دون تحويله إلى نسخة طبق الأصل.
في «فضولي يا قلبي»، جاء التجديد من خلال التوزيع والدويتو. وفي «الحايك»، جاء من خلال إضافة طارق مقطعا جديدا إلى كلمات والده. في الحالتين، لا يعود الماضي كما كان، وإنما يدخل في حوار مع الحاضر.
وربما لهذا تبدو عودة طارق بطمة من بوابة محمد بطمة أكثر من مجرد عودة فنان إلى الإنتاج بعد سنوات. إنها عودة إلى صوت يعرفه الجمهور، وإلى أعمال تحمل ذاكرة مرحلة كاملة، لكن من خلال ابن يريد أن يترك بصمته الخاصة عليها. فالأب لا يعود فقط لأن الابن أعاد غناءه، بل لأن الابن وجد في ما تركه الأب شيئا يمكن أن يقال من جديد.
- نتنياهو ينفي تقريرا يفيد بأن مصر حذرت إسرائيل قبل هجوم 7 أكتوبر
- إيران تحذر السفن من استخدام “مسارات غير قانونية” في مضيق هرمز
- “أوبن إيه آي” تعلق العمل بأحدث نماذج الذكاء الاصطناعي بعد اختراق أمني
- إسبانيا تعاقب إنكلترا على أخطائها وتحسم مواجهة مثيرة في ويمبلي
- مدارس العاصمة السعودية تتحول إلى التعليم عن بعد لمدة أسبوع بقرار حكومي


















0 تعليق