دمشق – “القدس العربي”: تبدو التحولات التي طرأت على مائدة الأسر السورية مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، واضحة في الزيارات الودية للأهل والأقارب والأصدقاء، حيث تكشف تفاصيل الموائد عن تغير عادات الشراء والطعام والضيافة. فمن مائدة كانت تعج باللحوم والأجبان والحلويات، إلى أخرى تحسب الكميات وتستبدل بعض الأصناف بالبيض والبقوليات، وصولاً إلى طبخة يكفيها القليل من اللحم “لتشمّها” فقط. فماذا اختفى من المائدة؟ وما الأصناف التي تحولت إلى كماليات أو أطعمة للمناسبات؟ وكيف غير الغلاء طريقة إعداد الوجبات وشكل الضيافة؟
من الوفرة إلى الاكتفاء
ومن مائدة عامرة بالحلويات والمكسرات، وثلاجة غنية باللحوم والدجاج وأفخر أصناف الطعام، إلى فطور يكتفي بعلبة لبنة أو بيض، وضيافة قد لا تتجاوز الشاي والفشار، تختصر أم فهد البغا، زوجة تاجر في سوق الخجا بدمشق، لـ”القدس العربي”، التحول الذي طرأ على مائدة أسرتها، مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة على شراء الكميات والأصناف التي كانت متاحة سابقاً.
وتقول: “لم يكن يخلو منزلي من أصناف المكسرات والمحامص والحلويات العربية والفواكه والألبان والأجبان واللحوم والدجاج، وفي أضعف الأحوال لا بد من تواجد ثلاثة أنواع من أفخر أنواع الحلويات ربما كانت تعد لـ”سيران الجمعة” أو نزهة قريبة”.
أما الفطور “فقد كان يضم تشكيلة واسعة من الألبان والأجبان، بينها اللبنة والجبنة البيضاء والحلوم والشنكليش وجبنة الشلل والعسل والزبدة، بينما كانت أنواع الفواكه والخضار متوفرة بصورة مستمرة”.
بعدما كانت الحلويات والمكسرات حاضرة بشكل دائم، مرت الأسرة بفترة أصبح فيها تقديم الشاي مع الفشار أو الموالح هو شكل الضيافة المتاح
وتضيف السيدة الخمسينية أن هذا التنوع تراجع تدريجياً، فأصبح الفطور في كثير من الأحيان يقتصر غالباً على علبة لبنة وشرائح مرتديلا أو البيض، بينما تحولت الفواكه والخضار إلى مشتريات مرتبطة بالحاجة، وقد تكتفي الأسرة بصنفين عند استقبال الضيوف.
وتظهر الفجوة بصورة أوضح في اللحوم والدجاج، إذ تقول السيدة إن “الثلاجة كانت تمتلئ باللحوم والدجاج، حيث كانت الأسرة تذبح الخروف وتخزن لحومه، كما تشتري الدجاج بكميات كبيرة وتقسمه وتحضره لوجبات متعددة، أما اليوم، فأصبحت كمية اللحم في الطبخة محدودة، وقد تكتفي الأسرة بعدد قليل من الشرائح”.
وتلخص الفارق بين الماضي والحاضر بالقول: “هناك فرق شاسع ورغم ذلك لم نتأقلم على الفقر، بل تعلمنا كيف ندبر القليل”.
وطال التغيير الضيافة أيضاً، فبعدما “كانت الحلويات والمكسرات حاضرة بشكل دائم، مرت الأسرة بفترة أصبح فيها تقديم الشاي مع الفشار أو الموالح هو شكل الضيافة المتاح”.
المائدة تحت ضغط الغلاء
وبعد الوفرة التي تستعيدها أم فهد عن مائدة كانت عامرة، تتحدث نورا، 45 عاماً، دمشقية وموظفة في أحد المصارف الحكومية في العاصمة، لـ”القدس العربي” عن صورة أخرى للتحول المعيشي، إذ لم تعد الأسرة تشتري الطعام وفق رغبتها، بل وفق ما تسمح به قدرتها الشرائية، فأصبح الراتب يحدد ما يدخل المطبخ وما يغيب عنه.
وتقول نورا: “بات ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية يفرضان اختيار الأولويات عند شراء الطعام، وإعادة النظر في كثير من الأصناف التي كانت حاضرة بصورة اعتيادية على المائدة”.
وتوضح أن بعض الأصناف لم تعد حاضرة إلا في المناسبات، “فاللحوم وتنوع الأجبان تأتي في مقدمة المواد التي تراجع استهلاك الأسرة منها، كما دفع هذا التراجع إلى الاعتماد على البيض والبقوليات، باعتبارها بدائل أقل تكلفة وأكثر قدرة على تلبية حاجة الأسرة من دون تحميل ميزانيتها أعباء إضافية”.
لم تعد الأسرة تشتري الطعام وفق رغبتها، بل وفق ما تسمح به قدرتها الشرائية، فأصبح الراتب يحدد ما يدخل المطبخ وما يغيب عنه
وبالنسبة إلى استهلاك الفواكه، تقول: “أصبحت الكميات التي تشتريها الأسرة محدودة مع التركيز على اختيار الأنواع الأرخص سعراً والمتوفرة في موسمها، كما أصبح اختيار النوع والكمية مرتبطين بشكل مباشر بالأسعار والقدرة على تحمل تكلفتها”.
أما الحلويات، فقد “كانت في السابق جزءاً من المشتريات المعتادة للأسرة، وأصبحت مرتبطة بالمناسبات أو بوجود الضيوف فقط، كما امتدت هذه التغيرات إلى القهوة التي أصبح شراؤها يحتاج إلى حساب أدق، وأحياناً الاستغناء عنها عندما ترتفع أسعارها”.
وتقول نورا إن المقارنة بين مائدة أسرتها اليوم وما كانت عليه قبل عقد من الزمن، تكشف أن أكثر ما تغير يتمثل في كميات اللحوم والفواكه، إلى جانب تراجع تنوع الأصناف الموجودة على المائدة وفقدان الأجبان والزبدة من المشتريات المعتادة، مشيرة إلى أن التغير طال طريقة التسوق نفسها، وترتيب أولوياتها.
اللحوم للنكهة
وعن مستوى أكثر حدة، تتحدث جنى، 35 عاماً، من دمشق، وهي ربة منزل، لـ”القدس العربي” أن الأمر لم يعد يقتصر على تقليص الكميات أو اختيار أصناف أرخص، بل وصل إلى تغيير طريقة إعداد الطعام نفسها، فاللحوم التي كانت مكوناً أساسياً باتت استثناء.
وتوضح جنى لـ”القدس العربي” أن ارتفاع الأسعار وتراجع قدرتها الشرائية جعلا مرور الأيام من دون شراء اللحوم أو إعداد وجبة تحتوي عليها أمراً معتاداً. وتقول: “يمكن أن يمر أسبوع، أسبوعان أو أكثر، دون أن تدخل منزلي وجبة لحوم”.
وتضيف: “أضطر في كثير من الأحيان إلى استخدام الزيت النباتي بدلاً من زيت الزيتون، ومكعبات المرقة المصنعة بدلاً من اللحوم، لتدبير الطبخة، كما أن السمنة الحيوانية والزبدة أصبحتا أيضاً خارج قائمة مشترياتي تماماً”.
تشرح جنى أن ارتفاع أسعار اللحوم والدجاج غير حتى طريقة إعداد الأطباق التي كانت تعتمد عليها الأسرة
وتشرح جنى أن ارتفاع أسعار اللحوم والدجاج غير حتى طريقة إعداد الأطباق التي كانت تعتمد عليها الأسرة، فإذا كانت الوصفة تحتاج إلى كيلوغرام من صدور الدجاج، قد تشتري بدلاً منه كيلوغراماً من الأجنحة، تسلقها وتفتتها إلى قطع صغيرة لإضافة نكهة اللحم إلى الطبخة، موضحة: “من الطبيعي جداً في هذه الظروف أن ننسى اللحوم لأيام وأسابيع”.
وتضرب مثالاً بصينية البطاطا، موضحة أنها قد تشتري ثلاثة أو أربعة كيلوغرامات من البطاطا، وتضيف إليها كمية محدودة من أجنحة الدجاج، بحيث يصبح دور اللحم إعطاء النكهة أكثر من كونه مكوناً أساسياً في الطبق، وتقول: “يكفي أن تشمه الطبخة”.
وينسحب الأمر، حسب جنى، على أطباق أخرى كانت تحتاج في السابق إلى كميات أكبر من اللحوم أو الدجاج، إذ أصبحت تحرص على توزيع الكمية المتاحة على أكثر من وجبة، وتقول: “صرنا منضبطين حتى في مطبخنا”.
- مدارس العاصمة السعودية تتحول إلى التعليم عن بعد لمدة أسبوع بقرار حكومي
- الحية: حماس عرضت الوساطة بين المتنازعين في اليمن ونأمل قبول المبادرة
- إشبيلية يشكو فنربخشة إلى الفيفا بسبب مستحقات المغربي يوسف النصيري
- غويري ينضم إلى آيت نوري ويغيب عن منتخب الجزائر
- الملك محمد السادس: أي اعتداء على السعودية هو اعتداء على المغرب


















0 تعليق